أفق المعية والقربى

Herkul | | العربية


سؤال: يُقال: ينبغي لمن وهبوا قلوبهم لخدمة الإيمان والقرآن أن يدركوا أفق “لِي مَعَ اللهِ وَقْتٌ” حتى يتمكنوا من الحفاظ على نضارتهم ونشاطهم ويستطيعوا التأثير في الآخرين؛ فهلّا توضّحون هذا قليلًا؟

الجواب: النص الكامل -الذي وردت فيه تلك العبارة المذكورة في السؤال، والتي تُروى على أنها حديث- هو: “لِي مَعَ اللهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ”[1]، وتَرِدُ هذه العبارة في بعض المصادر هكذا: “لِي وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي[2]، ورغم شهرة هذه العبارة على أنها حديث نبوي -لا سيما بين أرباب التصوّف- إلا أنه لا وجود لمثل هذه الرواية في الصحاح.. وإنما الصحيح هو وصفُ عليٍّ كرّم الله وجهه لحال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جُزْءًا لِلَّهِ وُجُزْءًا لِأَهْلِهِ وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ”[3].

وقد جرى تناول هذه العبارة وتداولها من قبل أرباب التصوّف بصفةٍ عامّة من ناحية السير والسلوك الروحاني، وطُرحت آراء مختلفة حولها؛ فرآها البعض مقام الحيرة، كما عبر عنها البعضُ بمفاهيم من قَبيل الدهشة، والقلق، والهيمان.. وثمة آخرون تناولوها من ناحية السُّكْر، والمحو، والفناء.. ويمكن القول: إن هذه العبارة تشير إلى مقامٍ تُستوعب فيه دائرة الأسماء استيعابًا كاملًا، أو يُقفَزُ منه إلى دائرة الصفات، بل انمحت فيه الأسماء والصفات واختفَتْ، وصار المرء مشغولًا بالذات الإلهية تمام الانشغال، أي: إنها نقطة المعية مع الله؛ فمن يدري ما سيحصل عليه السعيدُ المُبحِرُ في ساحة المفاجآت هكذا، وأيُّ ملجإٍ من الواردات والمواهب سيحظى به!

قد لا تتيسّر هذه المرتبة للجميع؛ فربما تكون مقامًا أو رتبةً يصل إليها المقربون أو أقرب المقربين فقط، غير أن كلَّ إنسانٍ يمكنه أن يدخل في مناخ من القرب، ويتقدّم نحو عرش الكمال الخاص به بحسب درجته، المهم بالنسبة لذلك الإنسان أن يكون لديه مثل هذا العزم والتصميم على إدراك أفق القربى بغض النظر عن المسار الذي اتُّبع لتحقيق ذلك؛ إذ يمكن لأيِّ شخص أن يسلك طرقًا مختلفة ويستخدم وسائل متباينة للوصول إلى هذه النقطة؛ فمثلًا لفتَ بديع الزمان الانتباه إلى طريق العجز والفقر والشوق والشكر، وأضاف لها التفكر والشفقة في بعض المواضع.

إنَّ العملَ -أيْ وضع العلم موضع التطبيق- وترسيخَ وحدة العلم والعمل أمرٌ لا بدَّ من التركيز عليه في سبيل إدراك أفق القرب من الله، فلا ينبغي للإنسان أن يدعَ الحقيقةَ التي عرفها حبيسةَ النظرية فحسب، بل يجب عليه أن يستوعبَها جيّدًا ويحرّرَها ويحوّلها إلى تطبيقٍ وأفعال.. فإذا كان يؤمن يقينًا بذلك، ويصل إلى درجة التحقيق في إيمانه، ويطبّق الحقائق التي يعرفها ويؤمن بها، فإنه يحظى بفضل الله تعالى وإحسانه وإنعامه؛ فلا جرَمَ أن العمل يغذّي الإيمان، فتتحوّل العبادات مثل: الصلاة والصوم والأوراد والأذكار إلى إيمانٍ عميقٍ جدًّا في ماهيتنا لا يمكننا فهم طبيعته بشكلٍ كاملٍ، وإن بقاء المعرفة -للأشياء التي لا تُستَوعَب ولا تُمتثل ولا تُنسب إلى الطبيعة ولا تُطبق- داخل إطار النظرية لا يُقرِّبُ الإنسان إلى الله، وشرطُ نفع العمل وإفادتِه هو تطبيقه واستمراريته.

وكما أشرنا، فقد سعى سالكو درب الحق إلى كسب أفق القربى من الله بطرق مختلفة، وبذلوا جهدهم لتحقيق ذلك، واعتبر أكثرُهم تحقيقَ ذلكَ غايةً مثلى في حياتهم، فعاشوا وفقًا لذلك.. وإن كلَّ هذه الطرق وسائل مهمّة في سبيل الوصول إلى الحقيقة التي عبرت عنها عبارة “لي مع الله وقت”.. وعند النظر إلى القضية من هذه الزاوية، يمكن ملاحظة أن حقيقة الوصول إلى المعية الإلهية واسعةٌ جدًّا؛ حيث يمكن لكل فردٍ أن يصل إليها من زاوية مختلفة وفقًا لقدراته وقابلياته، فيشعر بوارداتها ويستمتع بها.. وكلُّ مرشّح للقربى يمكنه أن يدركها بقدر اتساع مرآة روحه وقلبه؛ فيمكنه أن يُحرز تقدُّمًا بقدر عمق إيمانه ومعرفته بالله، وجدّيّته في عبادته وطاعته؛ طالما أنه يبذل جهدًا ويسعى في هذا الاتجاه.

يجب على كل روح مؤمنة أن تسعى إلى بلوغ هذا الأفق، وخاصة مَنْ لديهم رسالة مهمة؛ فيجب عليهم أن يسعوا إلى تمثيل حقائق الإيمان والإسلام والإحسان الواردة في حديث جبريل[4] على أعلى مستوى؛ لأنه لا يمكن توقّع شيءٍ من خدمة الإيمان على يدِ مَن لم يكتمل إيمانه أساسًا؛ فستحيل على من يتعثّر في الإيمان أن يؤثّر في الآخرين، وإن ما يقوله ويفعله شخصٌ -باسم الدين- لم يستطع الوصول إلى شعور الإحسان؛ لا يمكن أن يتعدّى مجرّد الضجيج والقيل والقال، ولا الكذبَ والخداعَ والنفاقَ والتباهي، ونظرًا لأن أمثال هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون التخلّص من ازدواجيّة الأقوال والأفعال، فيتعذر أن يكونوا مقنعين في نظر الآخرين، ولا يمكن أن يوفّروا الثقة لمن حولهم.

إن امتثال الإنسان الصدق بالمعنى الحقيقي في مشاعره وأفكاره ومواقفه وسلوكياته يعتمد على وصوله إلى شعور الإحسان، والإحسانُ -بحسب وصف نبينا صلى الله عليه وسلم- هو أن يعيش المرء وكأنه يرى الله، مرتبطًا على الأقل بفكرة أنه تعالى يراه، والإحسانُ ذو مراتب لا نهائية، فينبغي لرجل الدعوة أن يتصرّف موقنًا على الأقل بأن الله تعالى يراه، وأن يشعر أنه يخضع دائمًا لمراقبة الله؛ فيستطيع التخلّص من الكذب والرياء والخيلاء، ذلك أن مثلَ هذا الشعور ومثلَ هذا الإحساس، ينعكس فورًا على أطوار الشخص وسلوكياته؛ فيبعده عن الذنوب والأخطاء ومواطن الزلل وعدم الاتزان، ويمنعه من التراخي ومن الاستسلام للنفس، ومن الانغماس في الدنيا، ويؤثر على جميع أفعاله من جلوس ونهوض ونوم وأكل وشرب، ويوجهه في جميع قراراته وخياراته.

إذا بلغ الإنسان أفقًا يبدو فيه وكأنه يرى الله، وخاصةً بالصعود إلى مرتبة أعلى، فإن الكثرة تنمحي وتزول من أمام عينيه، ويبدأ بمراقبة الله في كلِّ شيءٍ، وعلى حدّ تعبير مولانا جامي: “اقصد الواحدَ فسواه ليس جديرًا بالقصد، اُدْعُ الواحدَ فما عداه لا يستجيب، اطلب الواحدَ فغيرُه ليس أهلًا للطلب، شاهد الواحدَ فالآخرون لا يشاهَدون دائمًا، بل يغيبون وراء ستار الزوال، اعرف الواحدَ فما لا يوصل إلى معرفته لا طائل من ورائه، اذكر الواحدَ فما لا يدلّ عليه من أقوال وأذكار هراءٌ لا يغني المرءَ شيئًا”[5]… فهو يعتبر الانشغال بما سواه عبثًا.

ليس من الممكن لشخصٍ عاجزٍ عن الوصول إلى شعور وإدراك كهذا أن يصل إلى الإيمان الحقيقي، ولا إلى الإخلاص التام، وبالتالي فإنه لا يستطيع التخلّص من التقليد ومن الإسلام الشكلي، ولا يستطيع الانسلاخ من الرياء والخيلاء. وغالبًا ما تنتهي بالفشل محاولاتُ مثل هذا الشخص لتبليغ الدين ونشره؛ لأنه يكذّب ما يقوله اليومَ بما يفعلُه غدًا؛ وتخلو أقواله وأفعاله من الاستقامة والعزيمة، ونتيجة لذلك يفقد مصداقيّته، ولو أنه نجح مؤقّتًا في التأثير على الجماهير وجرّهم من ورائه، فإن ثمار سعيه وجهوده لن تدوم، ومهما لمع وتألّق لفترةٍ قصيرةٍ، فسيتلاشى وينمحي سريعًا؛ فحفاظُ الإنسان على تألّقه ولمعانه مرهونٌ بدوام توجّهه إلى مصدر النور.. وكما تفقد الفقاعات على سطح البحر بريقَها عندما يُحال بينها وبين الشمس فكذلك يفقد المنفصلون عن الله أيضًا بريقهم.

وخلاصة القول: لا نجاحَ لأرباب الهدف والغاية المثالية -لا سيما الذين يمثّلون الدعوة النبوية- إلا بشرطٍ خاصّ، ألا وهو أن تكون علاقتُهم بالله قوية.. والحقُّ تعالى قد يحسن علينا برحمته إحسانًا وإنعامًا يفوق مزايانا ومواهبَنا وتوقُّعاتنا، فبينما لا نستحقّ إلا أن نكون مجرّد جنودٍ إذ به يجعلنا قادة، إننا نرجو هذا رحمةً منه؛ لأنه المُنعم والمُكرم، ومع ذلك فقد خلق العالمَ دارًا للحكمة، وغالبًا ما يُسيِّرُ أفعالَه بشأننا بشكلٍ متوازٍ مع إرادتنا في دائرة الشرط العادي.. لذا فإنه من المهمّ للغاية إلامَ وبأيِّ قدرٍ نميلُ، وماذا وبأيّ قدرٍ نطلبُ، وما مدى الجهد والسعي الذي نبذله لتحصيل الأشياء التي نطلبها، وما مدى ثباتنا وإصرارنا على جهودنا هذه!

إذا أردنا أن نأخذ مكاننا بين عباد الله المقبولين ونكون مؤثِّرين في الآخرين فعلينا أن نتطلّع إلى أفق “لي مع الله وقتٌ”، يجب أن نترك العالم كلّه وما فيه وراء ظهورنا، وتكون لنا أوقاتٌ نقضيها مع ربِّنا فقط، ويجب أن نجتهد ونكدّ وننفقَ أعمارنا للحصول على مثل هذه المعية والقربى.

[1] المناوي: فيض القدير، 6/4؛ العجلوني: كشف الخفا، 2/173.

[2] القشيري: الرسالة القشيرية، 1/190.

[3] الترمذي، الشمائل المحمدية، ص 192؛ البيهقي، شعب الإيمان، 3/24.

[4]  ويُقصَدُ به حديث عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه إذ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا”، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: “أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ”، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: “مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ”، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: “أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ”، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: “يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟”، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: “فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ”. (صحيح مسلم، الإيمان، 1)

[5] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشرة، ص 237.