ليلة الرغائب

Herkul | | العربية


سؤال: يَذكر الأستاذ بديع الزمان أن ليلةَ الرغائب هي بداية الترقي المعنوي للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وليلة المعراج هي عنوان وصوله إلى القمة؛ فما أهمية ليلة الرغائب انطلاقًا من هذه العبارة؟

الجواب: ربما توصَّل الأستاذ بديع الزمان إلى هذه الاستنتاجات بما صحّ كشفًا ومشاهدةً معنوية عنده.. وقد نجد صعوبة في فهم هذا المغزى ومناسبتِه وتخريجه.. لقد ذكرت بعض المصادر أن السيدة آمنة حملت به صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، غير أن قولًا كهذا غير صحيح، بالنظر إلى اليوم الذي شرَّف فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم العالمَ، وقد قال بعض العلماء الذين فطنوا إلى هذا الخطإ التاريخي: إن السيدة آمنة ربما أدركت في تلك الليلة أنها حملت بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن ليس لدينا أية رواية صحيحة تؤكّد ذلك.

 وانطلاقًا من كلام الأستاذ بديع الزمان، يمكننا أن نفهم الموضوع على النحو التالي: إن نبيّنا صلى الله عليه وسلم قد بدأ في تلك الليلة رحلته إلى الله تعالى رغبةً منه في الحق تعالى، وتجهز للنبوة، وسلك السبيل الذي يجهّزه للمعراج، ويمكن أيضًا اعتبار ترقّي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم -باعتبار حياته المعنوية والروحية- بمثابة ميلاده الثاني بمعنى من المعاني، وقد استفاد نبينا صلى الله عليه وسلم من المؤهلات الكامنة التي يمتلكها بتوجيهات الله وإرشاداته، ووصل إلى مستويات في العبودية لدرجة أنه كُوفئ بالمعراج ثمرة لعبوديته.. والحقيقة أنه ما كانت هناك ليلة “الرغائب” ولا “البراءة” -النصف من شعبان-، ولا “القدر” قبل البعثة أو في مطلع الإسلام، لقد تحددت هذه الليالي بعد تشريع الأحكام الدينية، لكن ربما تزامنت بعض الأحداث المهمة مع هذه الليالي.

وعند النظر إلى الأمر بشكل عام يتبيّن أن هناك روايات مختلفة عن فضل الأشهر الثلاثة: رجب وشعبان ورمضان.. ويوجد في كل شهر من هذه الأشهر أيام وليالٍ مباركة، فالجمعة الأولى من رجب المبارك هي ليلة الرغائب، أما الليلة السابعة والعشرون منه فهي ليلة المعراج، وفي وسط شعبان تأتي ليلة النصف من شعبان أو ليلة البراءة، وفي أواخر رمضان المبارك تأتي ليلة القدر. بالإضافة إلى ذلك، هناك ليلةٌ أخرى مهمّة أيضًا بالنسبة لنا، ألا وهي الليلة الثانية عشرة من شهر ربيع الأول، ليلة المولد النبوي الشريف، فقد ظل المسلمون يحتفلون -منذ عصور طويلة- بهذه الليلة التي تحقق فيها الميلاد المبارك، وشرَّفَ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم العالم، وذلك عبر قراءة الابتهالات الخاصة بالمولد والصلاة والسلام عليه وإقامة برامج وأنشطة مختلفة.. ومع أن ليلة المولد -التي شرَّفَ فيها النورُ الخالدُ عالمَنا- لا تشتهر بالاعتكاف والأدعية والطقوس الخاصة إلا أنه يمكن اعتبارها عيدًا بالنسبة للمسلمين.

وعودًا على كلام الأستاذ بديع الزمان مجدّدًا، فإنه أكد على قيمة هذه الليالي من خلال التعبير عن الفضائل التي نالها نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فيها، وهذا يعني أن ليلةَ الرغائب لها أهميّة مختلفة عن بقية الليالي من حيثُ الزمن، فثمّة ألطافٌ خاصّةٌ من الحق تعالى تتجلّى في أوقاتٍ معيّنة، فتجدُ ما يمنحُه الحقُّ تعالى من الثواب على عملٍ ما في الأوقات العادية يُضاعفه فيها عشرةَ أو مائةَ أو ألفَ ضِعفٍ، فهذه الأوقات المباركة تزيد العبادة وتباركها، إلا أن ذلك يختلِفُ من شخصٍ لآخر بحسب الاستعداد والجاهزية.

نعم، إن الأشهر الثلاثة، وخاصة شهر رمضان، وكذلك ليلة الرغائب والمعراج والبراءة والقدر تُكسب العبادات والطاعات عمقًا مختلفًا؛ فيُمْنُ الظَّرْفِ وبركَتُه ينعكسان على المظروف، ويمكننا أن نوضّح فضيلة هذه الأوقات بأرض وفيّة وشديدة الخصوبة، والبذور التي أُلقيت في صدرها تعطي سبعَ وربما سبعين سنبلة، كذلك العبادات المؤداة لله تعالى، فالقرآن يَعِد بمنح عشر أمثال لكل عمل صالح[1]، ولكن تخيلوا أرضًا كهذه تشبه أرض الجنة، ألقوا فيها أي شيء؛ فإنه ينمو ليصبح سنبلة على الفور ويُثمر.. وربما تخرج آلاف السنابل من كل بذرة، هكذا يمكننا أن نشبّه الأعمال التي تؤدّى في هذه الأيام والليالي المباركة بهذا المثال.

وبما أن الله عز وجل يتوجه إلى عباده في هذه الأيام والليالي المباركة توجُّهًا غير عادي، ويتضاعف أجر العبادات من واحد إلى ألف، فإن الواجب على المسلمين هو أن يستثمروا تلك الأوقات المباركة على أفضل وجهٍ وبشكل مثمِرٍ، ويملؤوا حقائبهم خلال هذه الفرص، لا سيما أن التضحية بالنوم في سبيل إحياء تلك الليالي لها أهمية خاصة.

وعلى الرغم من كثرة الكتب والمؤلَّفات عن فضائل الأيام والليالي المباركة واشتهار بعض الصلوات الخاصة بليلة الرغائب؛ إلا أنه لا توجد عبادة خاصة بهذه الليلة في الأحاديث الصحيحة.. ومع ذلك ينبغي للإنسان أن يصلي، ويتضرع إلى الله تعالى بالدعاء قدر استطاعته في هذه الليلة، حيث تستحب الأعمال الصالحة ويُضاعف ثوابها في الآخرة، فهذه الليالي فرصة عظيمة لاتحاد الدعوات.. وإذا اعتبر المؤمنون هذه الليالي فرصًا مهمة، ورفعوا أيديهم معًا إلى رب العالمين، وسجدوا، ودعوا الله وهم يذرفون الدموع خوفًا وخشية وطمعًا، فإن الله يستجيب لهم تلك الدعوات.

كما أنه من الأهمية بمكانٍ التوسّل والتضرّع إلى الله من أجل دفع البلايا التي تتعرّض لها الأمة المحمّديّة بصفةٍ خاصّة، وقد يطلب البعض أمورًا خاصّة لأنفسهم، ومن ذلك على سبيل المثال، أنهم قد يطلبون من الله بيتًا دافئًا، أو ولدًا صالحًا، أو خيرات دنيويّة؛ فيقول بعضهم: “اللهم هبني شاة، فأحلبها كلّ يوم، وهبني دجاجتين، فآخذ بيضهما”، وهؤلاء لا يمكن انتقادهم، إذ إنّ كلَّ شخصٍ يطلب وفقًا لهمته، ويطلب البعض ألا يقع في جهنم، وأن يصل إلى نعيم الجنة، وأن ينال شفاعة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.. نعم، لا ينبغي تجاهُلُ هذه المطالب أيضًا، لكن هناك من لا يملك شيئًا من متاع الدنيا، وربما أنه يعيش بملابس مرقعّةٍ رثّةٍ، يئنّ في دعائه قائلًا: “إلهي، مُنَّ بالخير على أمّة محمد! إلهي خلِّص أمة محمد من هذا الشقاء والذلّ الذي وقعت فيه! اللهم اجعل اسمك الجليل يرفرف في كلّ مكان!” حتى إن البعض يعتبر الدعاء لأنفسهم مضيعة للكلام، وكل رجائهم يتعلّق دائمًا بأمة محمد، وبالإسلام الدين المبين.. إنها مسألة أفق.

ولا يحقّ لنا أن نلوم أحدًا أو نشنّع عليه في هذا الصدد؛ فإن من يغلقون الحياة على أنفسهم، ولا يستطيعون التخلّص من جسمانيتهم، ويحصرون أنفسهم في إطارٍ ضيّق، تكون مطالبهم وفقًا لهذا، وقد يقبل الله تعالى دعاءهم أيضًا، ويضعهم في الجنة، ويستجيبُ مطالبَ أصحابِ الوجدان الرحب والهمة العالية التي تشمل البشرية جمعاء، وفي رأيي، إذا كان الانفتاح على العالم واردًا حتى في الدعاء، فمن الضروري ألا نظلّ رهيني الضيق والانغلاق.

كما تأخذ الأدعيةُ التي تُؤدَّى في فتراتٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ -كالأدعية في بعض الأماكن مثل الكعبة وعرفات- الأولويّة بالقبول بسبب قيمة الظرف.. ويمكن أن يسمى هذا أيضًا انعكاسَ قيمة المكان والزمان على الأعمال التي تتمّ فيهما، والأكثر رجاءً أن تُقبل الأدعية التي تُرفع في الأماكن والأوقات التي يمنحها الله قيمة خاصة.. وإذا جاز التعبير: كما يوزع السلطان الأوسمة على شعبه في مناسبات مختلفة، فإن الحق تعالى أيضًا -تنزّهت ذاته تعالى عن التشبيه- يُحسن على من يرفعون أيديهم من حينٍ لآخر، بغضّ النظر عن مدى استحقاقهم، يكفينا أن نطلب إحسان الله وإكرامه بإيمانٍ وثقةٍ من القلب، ونرتبط به تعالى قلبيًّا، ونرجو منه فحسب ما نرجو، ولنحذر من الأدعية الباردة التي يُشَمُّ منها رائحة التردّد والشكّ مثل: “يُعطي إن كان سيعطي، ولا يعطي إن كان لن يعطي”؛ فمثل هذه الأدعية -حفظنا الله- يُضْرَبُ بها وجهُ صاحبها في الآخرة، ومما لا شكّ فيه أن إعطاء الله أو منعه أمرٌ يعلمه هو تعالى، لكن الواجبَ على العبد أن يُلحّ على ربّه تعالى في الطلب، وأن يؤمن بأنه المرجع الوحيد في هذا الأمر.

ويمكن أيضًا عمل أنشطةٍ خاصّة من شأنها أن تليّن القلوب وتُدمِع العيون في الليالي المباركة، ويمكن أن تمارس العبادات والطاعات بشكلٍ جماعيّ، وأن تُرفع الأيدي إلى الله دفعةً واحدة، وأن يُشكِّل مَن يجتمعون مرضاةً لله مناخًا مختلِفًا، فتلين قلوب الأشخاص الذين يدخلون في ذلك الجو، وعندما ينزوي الأشخاص إلى بيوتهم، يتوجهون إلى الله بقلوبهم التي رقّت ولانت، ويُعبرون عن أصوات قلوبهم.. وعلى الرغم من أن الأنشطة التي تُنَفَّذ بشكلٍ جماعيّ لها مذاقٌ ولونٌ فريدٌ، إلا أنها لا تستطيع أن تمنح السكينة والطمأنينة التي يمنحها بقاء المرء وحيدًا مع ربه، فالجوُّ العام ووجود الآخرين قد يمنع الإنسان من أن يبوح بما في قلبه لله بكلِّ أريحية، لهذا السبب من المهم جدًّا أن يبوح الإنسان لربه بقلبٍ مخلصٍ في مكانٍ لا يراه فيه أحد سواه.

[1]  ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/160).