فلسفة الحوار

Herkul | . | العربية

كثيرًا ما نطلق في يومنا الحاضر على اجتماع الناس من ذوي الأفكار المتنوعة والرؤى العالمية المختلفة مصطلحَ “الحوار”، ومع ذلك بوسعنا أن نبتكر مصطلحاتٍ مختلفةً حتى لا نقع في الإلف والتعود، المهم هو إظهار حسن نوايانا، وصدق مشاعرنا وأفكارنا، فمثلًا يمكن أن نستخدم كلمة “التسامح” كمعنى مرادف لمصطلح “الحوار”، ولكن البعض لا يحبذ هذا، حيث يرون أن كلمة التسامح تستدعي معنى أن المخاطب يحمل أفكارًا ومعتقداتٍ خاطئةً، ويقوم بتصرفات وسلوكيات منكَرة أرغمكم على تحمّلها، وكأن الطرف المقابل يقدم لكم الأشواك، فتسامحونه وتقدمون له الورود، وهذا يعني ضمنيًّا اتهام الآخر وإهانته.. على كل حال، يجب ألا نتعلق بالكلمات ونتوقف عندها، وما عليكم إلا أن تراجعوا أقوالكم مرة أخرى، وتعملوا على إيجاد تعبيرات أكثر براءة وليونة.

فمثلًا يمكن استخدام عبارة “احترام الإنسان أيًّا كان موقعه” بدلًا من كلمة “التسامح”؛ لأن هذا التعبير ينطوي على فكرة أن كل إنسان جدير بالاحترام أيًّا كانت رؤيته العالمية وفلسفته الحياتية، وبتعبير آخر: هو احترام إنسانية الشخص الذي نخاطبه؛ لأن كل إنسان تكمن في داخله مجموعةٌ من القيم، وقد لا يستطيع البعض الكشف عن هذه الطاقة الكامنة في داخله، ولكن لا ننسَ أن الإنسان هو صنعة الله، فلا بد من إبداء الاحترام لهذا الصرح الذي وصفه خالقه بأنه على “أحسن تقويم”، فإن احترام الإنسان يعني من ناحيةٍ ما توقير الخالق جل وعلا.

ويمكن أن نستخدم إلى جانب ما ذكرناه تعبيراتٍ مختلفةً أخرى مثل: إقامة جسور الصداقة، والتوافق على القواسم المشتركة، المهم هو الحفاظ على المبادئ الأساسية، وعدم خروج المسألة عن إطارها الأساسي، أو انتزاعها من أصولها وتناولها وكأنها فكرة إبداعية.

   تأمين سلامة خط السير

وعلينا أن نختار بعناية شديدة المفاهيم والمصطلحات التي نستخدمها ونراعي الفروق الدقيقة بينها كما يفعل علماء أصول الدين، حتى لا نسمح بسيطرة الأوهام والمخاوف غير المبرَّرة على العمل الذي نقوم به، فلا ينبغي لنا أن نضايق أحدًا مهما كان دينه وديانته وتصوره وفكره بالمصطلحات التي نستخدمها والأنشطة التي نقوم بها، بل نحدّد محيط العمل وإطاره بشكل صحيح، ونبيّن ذلك للآخرين، وعند الشروع في العمل نحدد بداية أدواتنا ومستلزماتنا، ونؤكد عليها فيما بعد في كل مكان، سواء عند التحدث من وراء الأبواب المغلقة أو أمام الحشود في القاعات الكبيرة، ونتجنب من الخطابات تكدّر أذهان الذين يتعاملون مع المسألة بنقاء وحسن نية، أو ما يمكن لأصحابِ النوايا السيئة أن يسيئوا استعمالها؛ حيث يجب أن تنعكس نوايانا السليمةُ وأهدافُنا المستقيمة على أسلوبنا، وأن نضع خطابًا مشتركًا نكرّره حيثما كنا في حلنا وترحالنا، فرغم كل شيء هناك من يتحيّن الفرص لإلقاء التُّهَم عليكم والإيقاع بكم، فما يقع على عاتقنا هو أن نتوخى الدقة العالية عند تناول المسائل التي نطرحها، أما الباقي فعلى الله جل جلاله، فلا دخل لنا في النتيجة.

فقديمًا جعلوا حراسَ الليل يلاحقون بديع الزمان سعيد النورسي وطلابه الذين نذروا أعمارهم لخدمة الإيمان والقرآن، ولم يكتفوا بذلك بل استعانوا بعناصر الشرطة والاستخبارات للقيام بملاحقة هذه الزمرة قليلة العدد آنذاك، فما بالكم بحركة مفتوحة على العالم؟! مَن الذي سينهض لملاحقتها وكيف؟! فاسمعوا وعوا، وضعوا كل هذا في اعتباركم! فمهما كان قدر السلام والأمان الذي تبحثون عنه فإن البعض قد صنعوا قوالب معينةً تتوافق مع معاييرهم الذاتية وعوالمهم الفكرية، ووضعوكم فيها، فإن لم تأخذوا بعين الاعتبار وجودَ هؤلاء الناس الذين يتحركون انطلاقًا من أوهامِهم وجنونِ العظمة الذي يستولي عليهم، ولم تعدّلوا حركاتكم وخطاباتكم وفقًا لهذا فلن يعترفوا لكم بحق الحياة.

وقد يتحرك البعض على هواه ويفعل ما يحلو له، ولا أحد يعترض عليه أو يبالي بوجوده ما دام كيانًا صغيرًا أو لا يمكن أن يشكل تهديدًا لهم، حيث إن أصحاب النوايا السيئة لا يعترضون إلا على من يتوجسون منه خيفة فحسب، وهكذا يجب أن نضع في اعتبارنا كل هذا من أجل تأمين سلامة طريق السير.

ربما تسيرون في الطريق الصحيح، ولا تبتغون شيئًا سوى رضا الله، وتُقسِمون على العمل على إزالة الكدورات التي تعلق بوجه الإسلام المنير، وتبتكرون أفكارًا جميلةً تعود بالخير على الأمة والإنسانية، وتبذلون كل التضحيات حتى تعيش الإنسانية في أمن وسلام، ولكن كل هذا وحده لا يكفي، فلا بد إلى جانب هذا مراعاة مشاعر الآخرين وأفكارهم، ولا تنسوا أن من وظيفتكم التعبير عن أنفسكم بشكل صحيح أمامهم، وإزالة كل خوف أو قلق قد يعتريهم، وإعلامهم بالماهية التي أنتم عليها، والطريق الذي تسيرون فيه، والأهداف التي تركضون وراءها.

وكذلك من الأهمية بمكان الردّ بأجوبة مناسبة مُقنعة على الافتراءات والادعاءات التي يطلقها الآخرون بدوافع معينة من أجل النيلِ من الأرواح المتفانية التي تسعى للخدمة في سبيل الله، وعلينا أن نعلن للجميع أننا نعمل من أجل إحياء القيم الإنسانية، وأننا ننظر إلى هذا على أنه أمرٌ يفرضه علينا منهجنا العقائدي، بل يجب أن نقول: إننا إذا لم نهيئ جوًّا من المحبة بين الناس فسنُسأل عن ذلك أمام الله، فنحن على يقين بأن الله تعالى قد جعل هذه الدنيا طريقًا للسير إلى السلام الأبدي الذي لا يتأتى الوصول إليه إلا بالقيام بمسؤولياتنا في هذه الدنيا، ولا همّ لنا سوى ذلك.

   إقامة جسور الحوار

من أكبر المشاكل التي تواجهنا اليوم الصراعُ والاستقطابُ، فقد بات الناسُ الآن ممزَّقين مقسَّمين إلى أحزاب متنوعة، وطوائف مختلفة، وأيديولوجيات شتى، وأخذ الجميع يسلك الطريق الذي يحلو له، وليس من اليسير قطعًا في مثل هذا الجو وضعُ المسائل في مدار معين دون إزعاج أحد، ولكن ما يقع على عاتقنا هو إقامة جسور الحوار بين الناس، وتهيئةُ أجواء الصلح، من خلال استغلال كل وسيلة لا حرج في استخدامها شرعًا، فمثلًا من المهم للغاية للقيام بذلك أن نجعل القيم الديمقراطية جزءًا من فطرتنا وطبيعتنا، وأن نؤيد الديمقراطية ونستغل كل إمكاناتها، مع إضفاء صبغتنا ونسيجنا عليها، وبدهي أن ينزعج شرذمة قليلون من هذا التصرف، ولكن كما ذكرنا سابقًا ليس بالمستطاع إرضاء الجميع، فلا يصح ألا نكترث بمثل هذا النظام الذي حاز استحسانًا وقبولًا لدى الرأي العام.

من جانب آخر فإن السبيل إلى التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، والتحاور مع شتى شرائح المجتمع، ومدارسة المشاكل الإنسانية المشتركة؛ هو تنشئة أنفسنا تنشئة سليمة، فلو كنا نعرف الآخرين جيدًا، ونخاطب عوالمهم الفكرية، ولا نقصِّر في احترامنا لهم؛ فإن هذه المبادرات النافعة المبذولة لصالح الإنسانية ستؤتي أكلها يومًا ما، وكثيرًا ما شهدنا أمثلة لذلك حتى الآن.

وثمة أمر آخر يستدعي الانتباه هنا وهو ألا نتعامل بالمثل مع هؤلاء الذين نُجري حوارًا معهم لمجرد أنهم نقضوا العهد والاتفاق الروحي بيننا وبينهم وألحقوا بنا الأذى، بل لا بدّ من الصبر عليهم عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126).

فما يقع على عاتقنا هو إيثار طريق الخير والفضيلة، وتحاشي المعاملة بالمثل، وقد تأتي الأزمة تلو أخرى، فلا بد أن نردّ على الاتهامات الموجهة إلينا من أجل تصحيحها وتوضيحها، مع تجنب الشدة والعنف في رد الفعل.

   المداومة على الحوار

وعليكم أن تستحدثوا سبلًا أخرى من أجل إقامة حوار دائم مع شرائح المجتمع المختلفة، تارة تدعونهم لتناول الشاي وتارة أخرى تذهبون أنتم إليهم، وفي هذا الصدد استعينوا بكل الوسائل المتاحة لكم، واستخدموا كل السبل الممكنة أمامكم، فإن كانوا يشعرون بعدم الارتياح من وجود بعضكم فواصلوا الطريق بواسطة أناس آخرين لا ينزعجون منهم، وقدِّموا على أنفسكم كلَّ من له دراية بثقافة مخاطبيكم وعالمهم الفكري، فـ”شأن الحقّ عالٍ وسامٍ لا يُضحّى به بأيّ شيءٍ كان”[1]، المهم هو أن تجلسوا وتتذاكروا الأمر معهم، وتبينوا لهم أنكم تقفون في نفس المكان ولم تتغيروا، وأن قلوبكم تنبض كما تنبض من قبل ولم تتبدل مشاعركم، فطالما ظللتم بعيدين عن مخاطبكم لن يكون بوسعكم التعبير عن أنفسكم له، وسرعان ما تُنسى الجماليات التي يعلمها مخاطبكم عنكم، ولذلك عليكم بالإصرار على الحوار، واستنفاذ الطاقات من أجل الحفاظ على علاقتكم مع طوائف المجتمع المختلفة.

ومع أن الحرص والإصرار صفتين منكرَتين في الأمور الدنيوية المادية؛ إلا أنهما محمودتان في مثل هذه الأمور الخيرة، ولو نظرنا إلى الحياة السنية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسنلاحظ أنه كان يبذل جهدًا غير عادي في هذا الشأن، فمن يدري كم مرة ذهب فيها إلى أبي جهل ليدعوه إلى الإسلام، ولا نبالغ إذا قلنا إنه ذهب إليه خمسين مرة، فعليكم أن تواصلوا الحوار مع شتى طوائف المجتمع بالقدر الذي تسمح به إمكاناتكم، وعلى كل من نذر نفسه للخدمة الإيمانية والقرآنية أن يعدّ نفسه مسؤولًا عن هذا الأمر، وما علينا إلا أن نصرّ على تبليغ الحقائق بالأسلوب والطريقة المناسبة التي لا ينشأ عنها ردّ فعل مخالف، أما مسألة القبول من عدمه فهذا شيء يتعلق بهم.

ولا ينبغي أن تحول الأفكارُ المختلفة والمقارباتُ المتنوعة من إقامة الحوار، فمن الممكن تناول هذه الخلافات بهدوء شديد دون التقصير في احترام كل إنسان أيًّا كان موقعه، ودون الوقوع في الخلاف، فليس لأحد أن يرى نفسه فوق الآخرين، ولا أن يترك مثل هذا الانطباع فيهم، ولا أن يتكبر أو يتباهى بل يتواضع ويخضع، كفانا ما أنجِز حتى اليوم من دون مهنية أو حرفية، ولنتناول الأمر من الآن بشيء من الاحترافية، ونتحرى الجدية في التمثيل والتطبيق بقدر ثقل أعباء الرسالة التي نحملها، ونتعامل مع القضية بنهج نبوي، ونُحسن تنشئة المشتغلين بهذا الموضوع، ونتعامل بحكمة مع هذا الأمر، مع الالتزام بالقيم الإنسانية وتحاشي ارتكاب الأخطاء، فمن الوقاحة أن نعلّق هذا الأمر الكبير على أفكار بسيطة ساذجة.

   هل لديكم شكّ في قيمكم؟!

لا ينبغي للمؤمن أن يخشى من الحوار، ولا أن يقلق من الخسائر، ففي الحوار نوع من التنافس بين القيم من ناحية ما، فلو أنكم ترتابون في قيمكم فهذا يعني أن إيمانكم بالله ضعيف، ولو قلتم: “إننا سنتأثر سلبًا إذا خالطنا هؤلاء أو أولئك، وسيعود هذا بالضرر على ديننا”، فهذا يعني أن لديكم مشكلة في الثقة بدينكم الذي تمثلونه؛ إذا كنتم توقنون أن قيمكم هي الغالبة والرابحة في سوق القيم فلا مبرّرَ إذًا للخوف من إجراء الحوار مع الآخرين، وإن كنتم على ثقة من أنكم بمصافحتكم الآخرين واحتضانكم لهم ستنتقل جمالياتكم إليهم وتستفيدون أنتم كذلك من جمالياتهم فلا داعي إذًا للخوف من الحوار معهم.

ولو أنكم جعلتم من صدوركم فسطاطًا تحتفون فيه بالآخرين، فسترون صدور الآخرين قد فتحت لكم واحدًا تلو الآخر، فهل يمكن وصفُ هذا الأمر بالخسارة؟! افتحُوا قلوبكم للعالم قدرَ ما تستطيعون؛ لأن من سيتسلّلون إلى قلوبكم سيتعرفون في الوقت ذاته على الجماليات التي لديكم، وحتى وإن لم يتقبّلوها فلن يقصروا في احترامهم لكم، وإن لم يفعلوا فسيتورعون -على الأقل- عن إلحاق الضرر بكم، فمثل هذه الأشياء ستقضي على الحدة والعنف لدى الأجيال القادمة، وتُنهي الصراعات والنزاعات، وتسد الفجوات بينكم وبينهم، ولا شك أن كل هذا يُعد بحد ذاته نصرًا مؤزرًا، فمن الأهمية بمكان أن يتكاتف الناس ويتساندوا فيما بينهم، وأن يسيروا مع بعضهم البعض في طريق واحد، وأن يتشاركوا في ماراثون واحد، وأن يتصدّوا معًا للمشاكل التي تعترض الإنسانية، فلو استطعتم أن تنثروا بذور الحب والاحترام في قلوب الناس وأن ترسخوا فكرة التعايش مع الآخر؛ فستنالون رضا ربكم وتتسببون في سعادة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

 قد يختلف الطرف الآخر معكم في نمطِ معيشتكم وطبيعةِ عقيدتكم ومشاعركم وأفكاركم، فلربما كانوا يعيشون في دنسٍ وفجور، ويخرج من بينهم مَنْ يتطاولون على قيمكم التي تؤمنون بها، ويلحقون الضرر بكم بأقوالهم وأفعالهم، إلا أن سلامة نواياكم واستقامة أهدافكم هما ما سينقذكم من هذه المواقف التي نعتبرها نوعًا من أنواع عموم البلوى، فإذا كنتم ستجنون بعض الفوائد من خلال علاقتكم بهم، وستتغلبون على بعض الأضرار من أجل منفعة الإنسانية فليس لكم أن تكفّوا عن الحوار، لأنهم إذا خالطوكم فسيفهمون أحسن وأكثر بعض الأشياء من خلال مجالستكم، وسيدققون النظر في سلوكياتكم وتصرّفاتكم، وبناءً على هذا سيصبحون على دراية أكثر بالقيم التي تؤمنون بها، فإن لم يتقبّلوها فسيكونون على الأقل قد تعرّفوا عليها بشكل صحيح، ولو كانوا يحملون أحكامًا مسبقةً تجاهكم فسيتخلصون منها، ويعرضون عن عداوتكم، وبذلك يمكن القضاء على الصراعات والنزاعات المحتملة في المستقبل، وهذا هو ما يجب أن يحوز على اهتمامنا.

من جانب آخر لا تنسوا أننا نعيش عهدَ الفترة من ناحية ما؛ فمع الأسف ما عاد الإسلامُ يُبلَّغ للناس بشكل سليم، ولا يُمثَّل كما ينبغي، وليس لدينا شيء يدعو إلى المصداقية، وليس منطقيًّا في هذا الجو أن نعتقد أن الآخرين سيأتون إلينا حيث كنا، فيستمعون إلينا ويعقلون، ولذلك يجب أن نذهب نحن إليهم دون أن نصنّفهم إلى فئات مختلفة بحسب نظرتهم للدين وموقفهم نحونا، بل نعمل على تطوير علاقتنا بالجميع، ونحترم كل إنسان على اعتبار أنه إنسان قبل كل شيء، بل ولو كان ثمة قصور فعلينا أن نعزوه إلى أنفسنا، ونسائل أنفسنا قائلين: لماذا لم نبذل الجهد المطلوب حتى الآن للتعبير عن أنفسنا؟! ولماذا لم نتزود بالمعدات اللازمة؟! ولماذا لم نقم بالتمثيل كما ينبغي؟!

حاصل القول: نظِّموا هجراتٍ إلى كل أنحاء العالم، دون أن تلتفتوا إلى الأشياء التي يقولها الناس المحكوم عليهم بالسطحية وضيق الأفق، ودون أن تعبؤوا بالصعوبات التي ستواجهونها، بل واعتبِروا كلَّ مكانٍ تذهبون إليه هو أرضكم ووطنكم، فانثروا البذور بلا توقف، فالأرض وفيّة مخلصة، وسترون يومًا ما أن هذه البذور قد أينعت، وتبرعمت، وأثمرت، قد لا يكون حصادها وجنيُها من نصيبكم، فليس هذا مهمًّا؛ لأنكم ستؤجرون على نواياكم وهجرتكم وعملكم، وليحصدها بعد ذلك من يحصدها.

أنتم مسؤولون عن القيام بكل ما يقع على عاتقكم، ولا بد أن وجه العالم سيتغير حالما يتعرف الآخرون على جمالياتكم ويفهمونها تمامًا، فلو كنا فكّرنا ودبّرنا من قبل، وأرسلنا خمسة أو ستة ملايين شخص إلى كل أرجاء العالم، فأرشدناهم، ودللناهم على الطريق الصحيح، ووجدنا لهم فرصًا للعمل هنالك؛ لتغير وجه العالم اليوم ولصار على خلاف ما هو عليه.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 117.