الذنب والبلاء والدعاء

Herkul | . | العربية

إن الأمة والبشرية تمرّ بمرحلةٍ حرجةٍ للغاية؛ فمن جهةٍ ثمّة حاجة إلى تقييم النقاط المصيرية تقييمًا جيدًا للغاية واتخاذ قرارات صائبة ودقيقة جدًّا، ومن جهة أخرى ثمة حاجة ملحّةٌ إلى التوجّه إلى الله بالدعاء، وإن الأشخاص المنشغلين بأنفسهم وبمشاكلهم الخاصّة فقط قد لا تعنيهم المشكلات العامة؛ إذ يمكنهم بطريقة أو بأخرى أن يجدوا المكان الذي يمكنهم العيش فيه، ولكن المهمومين الذين يُحيون البشرية جمعاء في صدروهم، يرون كلَّ مشكلةٍ تحدث في المحيط الكبير مرتبطةً بهم ارتباطًا مباشرًا، فإن منطقة جغرافية شاسعة قد لا تكفي بالنسبة لهم.

وبما أن الله جل جلاله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (سورة الشورى: 30/42) فعلينا أن نحاسب أنفسنا ونلجأ إلى الله بالتوبة والاستغفار إزاء ما نواجه من مصائب سواء على المستوى الشخصي أو الأسري أو الوطني أو الإنساني؛ لأن المشاكل التي نتعرض لها في المحيط الضيق أو الواسع إذا كانت تتأتى من بعض أخطائنا وعيوبنا فهذا يعني أننا انتهكنا حقًّا من حقوق الله أو العباد، عمدًا كان أو خطأً.. لهذا السبب يجب أولًا أن نحاسب أنفسنا، وأن نبحث عن طرق تصحيح واستدراك الأخطاء التي اكتشفنا أننا ارتكبناها، ثم نستغفر الله ونطلب منه العفو والصفح.

والواقع أن هذه هي الحقيقة التي علّمتنا إياها أدعيةُ الأنبياء في القرآن الكريم؛ ذلك أن سيدنا موسى عليه السلام لما تسبب في موت شخص بالخطإ، أناب إلى الحق تعالى واستغفر بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/16)، مبينًا أنه تجاوز الإطار الذي قدّره وحدّده له الحق تعالى.

وبالشكل نفسه يقول سيدنا يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/87) حيث يرى زلة صغيرة خاصة بالأنبياء العظام جرمًا كبيرًا، ويؤكد هذا بقوله “إني كنت من الظالمين”.

وبالمثل فقد عبر آدم عليه السلام بقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/23) أنه لم يستطع الوفاء بالحقوق التي يجب عليه أداؤها والوفاء بها، وأنه تجاوز الخط الذي رُسم له.

وعندما سأل سيدنا أبو بكر رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دعاءً خاصًّا به فإن النبي علّمه دعاءً يؤكد الحقيقة نفسها فقال: “قل: اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[1].

لا يُتصوّر أن يصدر ذنبٌ طوعًا وعمدًا عن الأنبياء المباركين الذين أرسلهم الله دليلًا وهداةً للبشرية ولا عن خادم صادق من خدام باب النبوة مثل أبي بكر الصديق، ومع ذلك فإنهم عرضوا حالهم على الله تعالى وتمثلوا عبارة “التقصير منا، والعفو منك”، وكما أكّد ربنا في أكثر من موضع من القرآن الكريم فإن الله لا يظلم عباده ولو مثقال ذرة، ولا يجور عليهم، وكل ما قدّره لعباده عدلٌ، فإن كان هناك ظلم فهو من العباد، إما أنه وقع على أيديهم مباشرةً أو أنّ بعض أخطائهم تسبّبت في ذلك.

نعم، إن اعتراف الإنسان بالظلم والخطإ رافعًا يديه أمام الله وسيلةٌ مهمّة للغاية من أجل نيل المغفرة والرحمة، وعليه فإنه من الأهمية بمكان أن يلجأ المؤمنون إلى الله سبحانه وتعالى ويتوجهوا إليه، ولا سيما عندما تنهال الابتلاءات والمشكلات على رؤوسنا كالمطر، فإن لم ندرك أن هذه المشكلات من عند أنفسنا وأخذنا نبحث باستمرار عن مجرمين وظالمين آخرين؛ فستستمر تلك الابتلاءات.. ولكننا إذا اعتبرنا أنفسنا مسؤولين عنها وعزونا العيوبَ إلى أنفسنا، فإن الله يرحمنا ويفتح أمامنا سبلَ التخلّص من المشاكل التي نتعرّض لها.

يجب ألا ننسى أننا بشرٌ عاديّون ولسنا أنبياء؛ فقد خلق الله الأنبياءَ معصومين، ولم يعطهم فرصة للخطيئة.. وقطع عليهم الطرق المؤدية إلى المعصية وكأنه قال: “هذا طريق مسدود”.. لهذا السبب لم يكن هناك ميلٌ متعمّد في حياة الأنبياء الذين وُلدوا مصطفَين أطهارًا.. فإذا ما وقعوا في خطإ اجتهاديّ -وهذا نادر جدًّا- نبّههم ربنا سبحانه وتعالى على الفور، ولم يسمح لأخطائهم بأن تكون دائمة.. فقدرتهم على أن يكونوا هداة ومرشدين كاملين خالين من العيوب أمام البشرية جمعاء أمرٌ مرهون بهذا.. أما نحن فليس لدينا صفة “العصمة” هذه، لذلك لسنا محميّين من الأخطاء والمعاصي، وحتى وإن وصلنا إلى درجة الأولياء والأصفياء -الذين هم عباد الله وخاصته- فقد نخطئ أيضًا، ذلك أن هناك العديد من الأشخاص الذين كانوا يعرفون حقيقة الألوهية والربوبية هووا وسقطوا في جهنم مثل “بلعم بن باعوراء” و”برصيصا”، فلم ينفعهم ما حصَّلوا من معرفة وعلم ولا الأعمال الصالحة التي قاموا بها من قبل.

وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه: “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ[2]، وهذا يعني أن البشر كلهم أُرسلوا إلى هذه الدنيا ولديهم الاستعداد للخطإ؛ ففي طبائعهم دوافع للخطإ، وإن كان هناك ما يقلّل هذا الشرّ إلى أدنى مستوياته، فإنما هو التوجه إلى الاستقامة والتوبة والاستغفار دون الركون إلى المعصية والإصرار عليها.. وبما أننا خُلقنا بطبيعتنا عرضة لارتكاب الأخطاء والذنوب، فلا بد أن نعرف كيف نراجع أنفسنا مرات ومرات في مواجهة المشاكل والمتاعب، ونعزوها إلى تقصيرنا ونلجأ إلى الله تعالى.

كما يجب التنبّه إلى أن إدراك الإنسان أخطاءه سيجنّبه التوهّم بأن الله مدينٌ له، وبأن أعماله وعباداته الدنيوية تستحقّ الجنة إلزامًا، فمن يعلم ويرى عيوبه يتواضع ويذلّ أمام الله، ويتلوّى ندمًا وألمًا واستغفارًا، والمؤمن الذي يعتقد أنه لم يستطع بعدُ أن يؤدي شكر النعم التي نالها ولم يستطع إظهار الحساسية اللازمة ومراعاة أوامر الله ونواهيه، سوف يستحي أن يطلب من الله شيئًا.

فإن لجوءَ المؤمن الذي آمن بالله صدقًا وحقًّا إلى الله قائلًا ما قاله أحد الصالحين في مناجاته: “يا إلهي يأتيك الجميع بأكوام من الحسنات، أما أنا فأتيتك بخطاياي التي قصمت ظهري”، واستغفارَه الله وطلبَه العفو منه أمرٌ مهمٌّ للغاية؛ فمثل هذا الرجل يعرف حدوده أمام الله، ويعيش بحذرٍ دائم، ويمرّغ وجهه على الأرض في السجود طالبًا المغفرة، فلا يتجرّأ على الله ويبتعد عن الوقاحة وسوء الأدب، ولا يمكن أن ينفصل عن شعور العبودية ولو للحظة، ويُستَحسَنُ مثل هذا الموقف أمام الحضرة الإلهية كي يرفعَ الله عنا المتاعب والمصائب التي تحلّ بنا.

وكما هو معلوم، فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لدعاء الاستسقاء عند التعرّض للمجاعة والجفاف، والدعاء بما يجلب الرحمة الإلهية[3]، فتُقلب الأيدي في دعاء الاستسقاء، وكذلك الملابس، ويُؤخذ الأطفال وكبار السن إلى ساحة الدعاء، حتى الحيوانات فإن أمكنَ اصطحابُها تُصطَحَب، وفي هذه الحالة يُرفع إلى الحقّ تعالى بِلُغةِ الحال ما يعانيه الإنسان من خرابٍ وفاقةٍ وضيق، وهو بذلك أعلم.

فإن كان الله سبحانه وتعالى يمتحننا بسبب خطايانا، فواجبنا أن نحاول التطهر والتنقي بالركض إلى ينابيع التوبة والدعاء ودوام التضرع إليه، وينبغي لكل كلمة نقولها في الدعاء أن تكون صوت قلوبنا، وألا نهتم باستخدام كلمات براقة حفظناها من قبل، وألا ننخرط في التصنّع بألفاظ لَأْلَاءَه؛ على العكس من ذلك، يجب أن نتوجّه إلى ربنا بقلوبنا الطاهرة الصافية والمتحمسة، ونعبر عن إخلاصنا وصدقنا.

ربّما تتسبّب جرائمنا وأخطاؤنا الشخصية في مشاكل عامة، وهنا يحتاج الجميع إلى مراجعة أنفسهم، فهناك بعض الناس يُعتبر كل واحد منهم أملًا بالنسبة للمجتمع، فقد علَّق الناسُ آمالهم عليهم واعتقدوا أن أشياء جيدة وفجرًا جديدًا سيتحقّق مع خدماتهم.. وإن عدم قدرتهم على تقديم التمثيل اللازم، وعجزَهم عن الوفاء بحقّ مواقعهم، وخطأَهم ودخولَهم في مسارات خاطئةٍ يؤدي إلى اضطراب خطيرٍ في المجتمع.. ويبدو الأمر كما لو أن المنارات التي تكشف الطريق وتحدد الاتجاه للسفن قد انطفأت؛ فلم يعد يتّضح إلى أين ستذهب وأين سترسو هذه السفن العملاقة، ومن هنا فقد يؤدي فقدان الاتزان لدى الأشخاص الذين أحرزوا نقاطًا معينة إلى انقطاع الرحمة الإلهية تمامًا.. لسنا أنبياء، ويمكننا جميعًا أن نخطئ، كما يمكن أن تعود علينا الأخطاء في صورة مصائب، فلا يداخلنكم شكٌّ في ذلك.

يقول الأستاذ بديع الزمان: يُحتمل بقوة بالنسبة للشخص الذي يهوي من قمة برج الإخلاص أن يسقط في حفرة عميقة، وليس على أرض عاديّة مستوية؛ لأنه كلما كانت الألطاف والنعم التي يحظى بها الشخص عظيمةً، كلما كان خطر السقوط على أرضية سيئة عظيمًا، فالمغنم بالمغرم، وعندما يرتكب شخصٌ عُيِّن في غرفة الحريم وقاحةً صغيرة هناك فإنه لا يُكتفى بطرده إلى الممرّ أو القاعة فحسب، بل يتم إلقاؤه خارج باب الحرم تمامًا.. وعليه فإن الأخطاء تصل بصاحبها إلى بُعدٍ مختلِفٍ بحسب موقعه، وكبرها وصغرها يتفاوت بحسب الأفراد، وتعبيرًا عن ذلك قالوا: “حسنات الأبرار سيّئات المقربين”.

وأحيانًا تأتي المشاكل والمصائب التي تصيب أمة بأكملها بسبب الشرور التي يرتكبها الظالمون والفساق فقط، فإذا انتشرت السرقة والفساد في المجتمع، وتعذر منع الدعارة، واعتُبر الكذب أمرًا عاديًّا، وازداد النفاق، ومورس القمع والظلم، وصمت الآخرون وما اهتمّوا بهذا الانحطاط الذي يقع؛ فقد يتعرّض المجتمع بأكمله للكوارث المادية والمعنوية، ويشير إلى هذا تحسُّر سيدنا موسى عليه السلام مستفهمًا من الله تعالى بقوله ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/155).

والآية الكريمة التالية أيضًا تدعم هذا المعنى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/25) وقد جعل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي هذه الآية عنوانًا لموضوع الزلزال الذي كتبه بمناسبة الزلازل العظيمة التي وقعت في “أرزنجان” و”إزمير”.

يتطهر المجتمع من الفاسقين والظالمين بالمصائب التي تنزل، بينما الأبرياء الذين لا يستطيعون التغلّب على السلبيّات التي تقع بالرغم من وقوفهم ضدها، ينتقلون إلى الآخرة شهداء.. أما من يدعمون هذه المظالم والمآثم أو الشياطين البكم الذين يسكتون عنها، فإنهم يهلكون سويًّا مع الجماعة الآثمة، لكن شدة عذابهم في الآخرة تختلف باختلاف إيمانهم ونواياهم وأفعالهم؛ لأن الحق تعالى لا يضيّع الإيمان والعمل الصالح مهما كان مستواهما، فهو يكافئ عليهما بالتأكيد.

وكما ورد في الآية الكريمة أعلاه، فإن الله شديد العقاب، كما أنه أرحم الراحمين في الوقت نفسه، لهذا السبب فإنه لا يعجل بالعقاب، ربما أنه يفعل ذلك بعد إمهال ألف مرة ومرة، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتْهُ[4]، ثم ذَكَّرَ بهذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/102).

هناك أيضًا تحذيرات وتنبيهات مختلفة تأتي في طيات الإمهال؛ إذ يحذر الله الظالمين بأوامر تكوينية مختلفة وبلغة الأشياء والأحداث حتى يعودوا إلى رشدهم، فأحيانًا يمنع المطر ويصيبهم بالجفاف ليقول لهم ضمنيًّا “أفيقوا!”، وأحيانًا يهزهم بأزمات اقتصادية، وأحيانًا يرسل عليهم مصائب أرضية وسماوية فتوقظهم من سبات غفلتهم، وأحيانًا يجعل الحياة غير قابلة للعيش بسبب دينهم فيقول لهم: “اعتنوا ببلدكم وأمتكم ودينكم وقيمكم”.. فإن كان المؤمنون لا يفهمون لغة الأشياء والأحداث، ولا يكفون عن الظلم والذنب، ولا يعودون إلى رشدهم -لا قدر الله- فإنه ينزل عليهم وابلًا إثر وابلٍ من المصائب والكوارث والابتلاءات.

يتجرع الظالمون في الدنيا والآخرة ما يستحقون من العقاب، أما الطيبون الذين يعيشون بينهم فلا يبقى لهم شيء يعانونه في الآخرة، لأنهم سيكونون قد قضوا عقوبتهم في الدنيا، ولا يُسأل عن حكمة الله في هذا، فلسنا ندري؛ فربما سيُنعِم بنجاة مخصوصةٍ على من آمنوا حقًّا وصدقًا، كما كان في الأقوام السابقة، ويستعملهم في مهام مهمّة لاحقًا، فإن كانوا يبشرون بمستقبل طيب لصالح الإسلام الدين المبين، فقد ينجيهم الله ويستلّهم من المصيبة كما يستلّ الشعرة من العجين، وبينما يموت مَن يموت، ويُسحَق من يُسحَق ينجو بعضُهم؛ فيستعملهم الله في مجالات ومهام وأعمال أخرى.

[1] صحيح البخاري، الدعوات، 16.

[2] سنن الترمذي، القيامة، 49؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 30.

[3] صحيح البخاري، الاستسقاء، 1.

[4] صحيح البخاري، تفسير سورة (11)؛ صحيح مسلم، البر، 61.