الجَرَّة المشروخة: بعض المعايير الخاصة بالأخلاق الحسنة – 2

Herkul | | العربية


   منهج إصلاح الأخطاء

حاولنا فيما سبق الوقوف على مسألة عدم تعيير الناس أو تحقيرهم، والعفو عن تقصيراتهم، ويجب ألا يُستنبط من كل هذا ما مفادُه ضرورة السكوت على الأخطاء وعدم التدخّل والتصدّي لها بأي شكل على الإطلاق.. ذلك أن القرآن الكريم كلَّف المؤمنين من خلال عدد كثير من آياته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إننا إذا ما نظرنا إلى قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/110) وجدْنا أن هذه الخيرية رُبطت ورُهنت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أيضًا فقال: “مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ[1].

إن محاولةَ منعِ الناس من فعل المنكرات وأمرهم بالمعروف واحدةٌ من أوصاف المؤمن الأساسية، إلا أن المنهج والأسلوب والنظام الواجب اتباعه هنا مهم للغاية؛ فعملٌ كهذا لا يمكن أن يتحقق بإحراج الناس وإخجالهم، لا سيما إذا اختلطَ المنهجُ والردُّ بما يعتبرهُ الإسلام مرفوضًا مثل الكذب والافتراء وتشويه سمعة الناس، فإن المشكلة تتضخّمُ وتكبر، والأصل هنا ضمان أن يستقر في القلوب جمال الأفعال التي وُصفت بأنها طيبة، وقبح الأفعال التي وُصفت بأنها سيئة، أي إقناع الناس بسوء أو حسن تلك الأفعال المعنية، والإسهام في أن يقوموا بضبط أنفسهم وفقًا لهذا، وإلا فإن فهمًا من قبيل “أنا أقول وأحكي، ولا شأن لي بخلاف ذلك” دون أخذ وضع المخاطب في الاعتبار، ودون التمكن من تحديد الأسلوب الصحيح، ودون التفكير في الطريقة التي يجب اتباعها؛ أمرٌ لا علاقة له بـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لا من قريب ولا من بعيد.

وإذا نظرنا إلى حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، نرى نماذجَ وأمثلةً كثيرة على ذلك، ومنها ما قاله صلى الله عليه وسلم لماعز الذي جاءه معترفًا بخطيئته حاملًا فكرة التطهّر في الدنيا على أن يترك الأمر للآخرة: “وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ“، إلا أنه حين أصر ماعز على تنفيذ العقوبة على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم ردَّه أربع مرات، كان على رسول الله أن يطبق العقوبة عليه، لكنه صلى الله عليه وسلم بقوله “اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ[2]؛ حال دون أن يسيء الناسُ الظنّ بماعزٍ، لقد أراد ألا يُذكر ماعز على أنه إنسان عاصٍ، بل على أنه إنسان تطهّر من خطيئته وسار نقيًّا طاهرًا إلى الذات الإلهية.

لم يوجّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإدانةَ واللومَ إلى أحدٍ طوال حياته السنية، ولم يكشف مساوئ أحد في وجهه، ومن خلال استقراءِ سيرته صلى الله عليه وسلم لا يمكن العثور على أي سلوك من قبيلِ فضح الناس، وتتبع مواضع زلاتهم وركلِ إنسان سقط على الأرض، ولا مقابلة السيئة بالسيئة، على العكس من ذلك، فقد منع المؤمنين من التجسس والبحثِ عن أحوال الناس الخفية، وأوصى بستر الأخطاء ما أمكن ذلك؛ فكان يتنفس دائمًا عفوًا وتسامحًا طوال حياته، وتلك الكلمات التي قالها بعد فتح مكة للمشركين -الذين كانوا قد مارسوا ضدّه كل أنواع الإيذاء لسنوات طويلة- لا تترك مجالًا لأي كلمة أخرى للتعبير عن عفوه ورحمته: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ[3]، فقد كان لينه هذا وصفحه وعفوه عليه الصلاة والسلام من أهم العوامل التي فتحت القلوب ومكّنت الناس من دخول الإسلام أفواجًا وجماعاتٍ.

من ناحية أخرى، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما لاحظَ تقصيرًا من أحد الصحابة لا يصارحه به ولا يضربه به في وجهه؛ بل يضمّن لذلك المعنى ولتلك الملاحظة من خلال حديثه عليه الصلاة والسلام وخطَبِه أمام العامة دون توجيه الكلام إلى شخصٍ بعينه، حتى إنه عندما يجدُ حركةً جماعية في الاتجاه الخاطئِ؛ فإنه يجمع أصحابه ويتحدث على العموم دون أن يوجه كلامه بشكل مباشر لمن ارتكبوا هذه الأخطاء، وهكذا حُلَّت المشاكل دون أن يتعرّض أحدٌ للإهانة أو التجريح أو الاستياء، ودون أن تتأذى كرامةُ إنسان، أو يخالطَ الأمر أية كراهية أو غضب.

وعليه فمن المهم للغاية أن يتعرف الناس إلى محيطهم، ولا سيما من في الريادة ومن يتحملون مسؤوليّات معينة، وأن يهتمّوا بمعالجة الأخطاء، كذلك يجبُ على المعلم في المدرسة أن يدرسَ الحالةَ العامَّة للطلّاب في فصله وأن يعرِفهم جيدًا، فهذا جانبٌ مهمٌّ من الواجب والمسؤولية، أما الجانب الآخر منها فهو معاملة كلّ فرد بإنسانية، وعدم الإساءة إلى أي شخص، ومحاولة دفع الشرور بأنسب طريقة، أي إنه يجب على المسلم أن يتصرف وفقًا لشخصيته حتى في الحالة التي يدفع فيها الشرور عن نفسه، وأن يظلّ مرتبطًا بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكيلا يُساء إلى أي شخص ولا يُوسَّع نطاق المشكلة يجب تحديد الأسلوب وفقًا للحالة الخاصّة بكل شخص، ومراعاة كل حدث على حدة، وبدلًا من الرد الفوري على المشكلات التي تتم مواجهتها والتحدث عنها يمنة ويسرة من الضروري التفكير في المشكلة ومحاولة إيجاد أنسب حلٍّ لها، ومن المعلوم أن علاج القضايا بالفظاظة أو التجريح أو الإهمال يكسر قلوب الناس ويُبعدهم كما علّمنا الله جل جلاله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/159)…

علينا أن نعلم جيدًا أن هذه المهمّة في تحديد الأسلوب الخاص بكل حالة يُرادُ علاجها إنما تتطلب خبرة وحساسية.. لذا يمكن اعتبار هذا العمل من شأن النخبة والمثقفين.

وتجدر الإشارة إلى أن المشاكل لا يمكن حلها دائمًا عن طريق الحديث عنها، فالحديث عن بعض المشاكل قد يضخم الأزمة أكثر.. يجب أن يكون كلام المؤمن حكمة، وسكوته تأمّلًا وتدبّرًا.. إذا كانت الكلمات التي سننطق بها حكمة وجب علينا أن نتكلم، وإذا لم تكن كذلك وجب علينا أن نصمت وننتظر الوقت المناسب.. هناك بعض المواقف التي يجب على المرء التوقف عندها والتفكر والتأمل فيها، لأن الحكمة تتطور في أحضان التأمل.. إذا كانت هناك حكمة في حديثنا فسنتحدث، وإلا فإن حديثَ كل فرد كما يحلو له وكما يخطر على باله ليس إلَّا ضجيجًا وجعجعةً، وكما نعرفُ أنّ لكلِّ مقامٍ مقالًا فعلينا أن نتعرّف إلى فضيلةِ التحلي بالصبرِ والصمتِ والانتظار.

   محاسبة النفس

يشير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة إلى أن الإنسان خُلق مهيأً لارتكاب الخطإ والوقوع في الزلل، وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ[4]، وهذا يعني أن لدى الطبيعة البشرية ميلًا للوقوع في الخطإ، فالبعضُ يضيّق مجال هذا الميل أو يتغلب عليه تمامًا من خلال وفائه بحق إرادته؛ والبعضُ الآخر لا يستطيع النجاح في هذا الشأن بالقدر الكافي، والمهم هو أن يعتدل الشخص فورًا بعد أن يتعثر ويقع، وأن يتوجّه مباشرةً إلى المكان الصحيح، ويُدخل نفسه تحت صنابير التطهّر فيتطهر.

نعم، قد تزل قدم أي فرد، لكن الهجوم فورًا على ذلك الإنسان، والحديث عن زلتِهِ هنا وهناك وإحراجه لا يوافق الأخلاق الإلهية ولا منهج رسولنا عليه الصلاة والسلام، من واجبنا أن ننظر في عيوبنا وننشغل بتصحيحها بدلًا من أن ننشغل بعيوب الآخرين وأوجُهِ قصورهم، لأن من يتعامى عن عيوب نفسه أو لا يراها بالفعل، يظلّ دائمًا يبحث عن العيوب لدى الآخرين، لكنني أعتقد أن من انشغل بعيوب نفسه ما تفرَّغ لتتبع عيوب الناس.

علينا أن نستدير وننظر إلى أنفسنا قبل أن نلقي بالحجارة على أي شخص، إذا كنا نرتكب عيوبًا مماثلة، فيجب علينا أن نخشى أن يرتد هذا الحجر علينا ويصيبنا في رؤوسنا، يُروى أن سيدنا عيسى عليه السلام قال لمن كانوا ينتظرون وقد أمسكوا بالأحجار في أيديهم أثناء معاقبة أحد المجرمين: “ليُلقِ الحجرَ الأول من لا خطيئةَ له”، وهنا يُسارع كل واحد من الحضور بالتخلص ببطء من الحجر الذي في يده.

وأخيرًا، من المفيد التذكير بأنه لا عذر لنا إذا لم ننتبه إلى مثل هذه الأمور وذهبْنا نخوض مع الجموعِ عن عيوب وخطايا الآخرين، فحتى لو وقع العالم كلُّه في خطيئةٍ ما فإن ذلك لا يشكل عذرًا منطقيًّا لمشاركتنا في مثل خطيئتهم، وكما ورد في المثل فـ”إن كُلّ شَاةٍ سَتُنَاطُ بِرِجْلِهَا”، لا عذرَ يوم القيامة لكلمات من قبيل: “الجميع كان يتحدث وأنا أيضًا تبعتهم”، لأنه كما ذكرت الآية الكريمة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/18) فهناك يواجِه كلُّ إنسان فداحةَ ووطأة ذنبه وخطيئته، والواقعُ أنه إذا تسبّب شخصٌ في فتنةٍ وفسادٍ بكلماتِهِ أو كتاباتِه أو ما يصدر عنه؛ فإنه سيعاني أيضًا من وبال الخطايا التي تسبب فيها إلى جانب وبال خطيئتِه نفسه.

وبدلًا من الانسحاق في الآخرة تحت هذه الأعباء الثقيلة فإن الطريقة الأكثر حكمة -حيث تتوفر القدرة لذلك في هذه الحياة الدنيا- هي التحكم بألسنتنا وضبطها على إيقاعٍ كفيلٍ بعدمِ حدوث مشكلات من هذا القبيل، ومن دون ذلك فإنه يجب على المرء أولًا أن يتحقق من مشاعره وأفكاره المتعلقة بإخوته وأن يحافظ عليها نقية طاهرة، لأن ما يصدر عن اللسان هو الأفكار، وإذا كانت الأفكار قذرةً تخرج قذاراتٌ كثيرةٌ من اللسان، ومن يركز على عيوب الآخرين ويشغل ذهنه بها دائمًا فإنه سيعبّر عنها بحديثه النفسي أولًا، ثم يتناقلها ويرددها هنا وهناك.

ومن المؤكد أن من ينشغل بالتجسس وسوء الظن والإهانة ويتحدّث عن عيوب الآخرين باستمرار سوف يرى في الآخرة عقوبة خطاياه، لكن لا يمكن لشخص هكذا أن يكون مرتاحًا في الدنيا، بل إنه بذلك سيحول بيده حياته إلى جحيم، وسيُلوّث خلاياه العصبية، وسينقلبُ الأمرُ عليه ليكون له عقوبةً.

***

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11.

[2] صحيح مسلم، الحدود، 22.

[3] البيهقي: السنن الكبرى، 9/199.

[4] سنن الترمذي، القيامة، 49؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 30.