الجَرَّة المشروخة: سلطان الدنيا والعقبى

Herkul | . | العربية

   سؤال: قد تُرتكب أخطاء عند مطالعة الجوانب البشرية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورة في كتب السِّير أو تناول بعض الأحوال والأوصاف الخاصة به، فما هي الأمور الواجب الانتباه إليها حتى يتسنى الحديث عنه بشكل يتلاءم مع مستواه ومكانته عليه الصلاة والسلام؟

   الجواب: من المؤسف أنّه يوجد في عصرنا فئة تتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتحدث عنه وكأنه شخص عاديّ، لهذا السبب هناك أناس كثيرون يخطئون بشأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، نسأله سبحانه ألّا يحرمنا الاستقامة؛ فكُلُّ كلمة لا تناسب شخصيته المعنوية النورانية أو رسالته النبوية هي زلَّة، ومن يقع في مستنقع القناعات والأفكار الخاطئة بحقّه عليه الصلاة والسلام ربما يتعرّض للوقوع في زلات بحق الله تعالى كذلك، حفظنا الله جميعًا.

إنه عليه الصلاة والسلام دليلُ المؤمنين الأكمل، لهذا السبب فإن من يغادر الطريق الرئيس الذي سار عليه تتفرق به السبل وتتشعّب دون أن يدري، وبالتالي فإنه يبتعد عن الله، ذلك أن القريب من سيدنا رسول الله يكون قريبًا من الله تعالى، ومن يبتعد عنه مدركًا ذلك أو غير مدرك يكنْ قد ابتعد عن الله عز وجل، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس في الوقت الحاضر يتناولونه كشخص عادي، ويبتعدون عنه لأنهم يعيشون تحت سيطرة رغباتهم وأهوائهم.

   نظرة كلية إلى سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام

دُوّنت كتبٌ ومدوّناتٌ كثيرةٌ في السِّيَرِ والمغازي والطبقات والشمائل والدلائل التي تتناول حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصافَه النبوية وصفاته البشرية بمختلف جوانبها، ومما لا شك فيه أن كل هذه الكتب مهمة للغاية من حيث معرفته وفهمه حق المعرفة والفهم، لكن علينا ألَّا ننسى أن الأحداثَ التي قصّها أولئك الأشخاص العظام كُتَّابُ هذه الأعمال المذكورة، والمعلوماتِ التي قدموها ترتبط -في جانب منها- ببعض الملاحظات الشخصية وبأسلوب إحساسهم وتصوّرهم الخاص، وهم بالنظر إلى النتيجة سجلوا ما سمعوه وفهموه وأدركوا معناه، لهذا السبب فإنه عند قراءة الكتب التي تتناول أحوالَ رسول الله وأوصافَه فقد تُطرح بعضُ الملاحظات التي لن تلائم عظَمة قامته ومكانته، ومن ثمَّ فلا بد من جمع كل الأقوال والكلام الذي قيل بحق النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم والنظر إليه عليه الصلاة والسلام نظرة كلية ومخروطية شمولية من خلال جميع الأقوال والتعبيرات والأوصاف.

ومما لا ريب فيه أن الصحابة الكرام يعرفون بشريةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن قرب، ولا سيما كبار الصحابة مثل سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهم، فقد قرؤوه أفضل منا، وشربوا من هذا المنهل العذب المورود حتى ارتووا، ولم يكتفوا بأن يستفيدوا منه هم فحسب؛ بل نقلوا كلَّ شيء سمعوه ورأوه منه إلى الأجيال التالية حتى تتعرف عليه، وواجبُنا هو احترام هذه المعلومات الواردة عنهم بطريق النقل والاستفادة منها، فكل واحد من الصحابة الكرام أحسَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعمق مختلف من أعماقه، فإن جمعنا كلامهم ونظرنا هكذا إلى الشخصية الأحمدية حينها نستطيع أن نراه ونعرفه على نحو يليق بمستواه وقيمته ومكانته عليه الصلاة والسلام.

الإيمان بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والارتباط بسنَّته هو وسيلة النجاة بالنسبة للمسلمين؛ فالقدرة على إدراك عظمته كونه صاحب النور الأول وغاية الخلقة أمر مهم للغاية، وثمة عبارة مشهورة تدور بين الصوفية بصفة خاصة، وذلك على الرغم من انتقادها من حيث علم السندِ ومصطلح الحديث، يقول فيها الله تعالى “لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الْأَفْلَاكَ”، وقد كتب المرحوم نجيب فاضل كتابًا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع له عنوانًا مفاده “ذلك الذي نحن بسببه موجودون”.

لو لم يكن هو الشخص الذي سيضطلع بمهمة التشريفات لمشاهدي محشر الكون لما أمكن فهم معنى هذا الكون؛ ولما تسنى معرفة أن الوجود عبارة عن تجلي أسماء الله تعالى؛ ولتعذرت معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته السبحانية، والأمر بالمثل بالنسبة للناس؛ فقد كانوا يعيشون ولا يدرون أنهم ضيوف في الدنيا وسيرحلون منها إلى عالم آخر؛ فكانوا عاجزين عن العثور على الطريقِ المستقيم والسيرِ باستقامةٍ والوصولِ إلى الأفق الذي يجب عليهم أن يصلوا إليه، فإن كنا نعلم شيئًا في كل هذه القضايا فإنما نعلمه بفضله عليه الصلاة والسلام، وتعبيرًا عن هذه الحقيقة يقول محمد عاكف:

مدين له مجتمعه، مدينون له أفراده؛

مَدينة لهذا المعصوم البشرية جمعاء

يا رب! احشرنا بهذا الإقرار يوم الحشر!

وعليه فإنه يستحيل على كتب السيرة أن تحتوي كلَّ كمالاته الشخصية.

ويعبر بديع الزمان عن هذه الحقيقة في أحد المواضع فيقول: “هذا النبي المبارك الذي هو أنبل نتائج الكون وأكمل ثمراته والمبلّغ عن خالق الكون، وحبيب رب العالمين، ماهيتُه الكاملةُ وحقيقةُ كمالاته لا تحصرها الأحوال والأطوار البشرية التي ذكرَتْها كتب السيرة والتاريخ، فأنّى لهذه الشخصية المباركة الذي كان كلّ من جبرائيل وميكائيل مرافقين أمينين له في غزوة بدر أن تنحصر في حالة ظاهرية أو أن تظهرها بجلاء حادثة بشرية كالتي وقعت مع صاحب الفرس الذي ابتاع الفرس منه ولكنه أنكر هذا البيع وطلب من الرسول الكريم شاهدًا يصدّقه فتقدم الصحابي الجليل “خزيمة” بالشهادة له، ولئلا يقع أحدٌ في غائلة الخطإ يلزم من يسمع أوصافه البشرية الاعتيادية أن يرفع بصره دومًا عاليًا لينظر إلى ماهيته الحقيقية، وإلى شخصيته المعنوية النورانية الشامخة في قمة مرتبة الرسالة، وإلا أساء الأدب، ووقع في الشبهة والوهم”[1].

أجل، يجب ألا يُنظر إلى بعض الأحوال والأطوار البشرية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُعتبر شخصًا عاديًّا كما يفعل البعض، فإلى جانب هذه النوعية من معاملاته يجب ألَّا يُنسى أبدًا أنه صاحب مقام الجمع، وأنه على اتصال دائم بعوالم ما وراء السماوات، وأن الله أمطره بالوحي زخًّا زخًّا، وصدرت عنه معجزات شتى، ومثَّل الأخلاق القرآنية أفضل تمثيل، لا بد من اعتبار كونه في معية الله الحق حتى وهو بين الناس، وأنه كان يتعامل معهم تعاملًا مختلفًا.

وعلى حد تعبير “البوصيري” فحتى المعجزات -مثل انقسام القمر إلى نصفين بإشارة واحدة منه، وجريان الماء فياضًا من بين أصابعه، وتحقق الشبع لجيش كامل بمؤونة قليلة، وتوضؤ ثلاثمائة فرد بقربة ماء- كل ذلك لا يكفي لإظهار قيمته الحقيقية، فلو أن المعجزات جرت وفقًا لعظمته لكان يلزم أن ينبعث الموتى من فورهم إذا ما قُرئ الاسم المحمدي فوقهم.

وفي موضع آخر يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كما أنه يتعذر عند النظر إلى البيضة التي خرج منها طائر الطاووس فهمُ جماله الذي يبهر العيون وإدراكُه؛ فإنه لا يتيسر إدراك قيمة الشخصية المعنوية له عليه الصلاة والسلام ودرجتها عند النظر لبداية حياته نظرًا ماديًّا سطحيًّا صوريًّا، ومن أجل إدراك قيمته الحقيقية يلزم النظر إلى الأنوار التي نشرها في كل الأرجاء[2]. أجل؛ إن طائر الطاووس بالنظر إلى بدايته خرج من بيضة، ولكنه بدأ لاحقًا يستعرض قوامه بألوانه التي تبهر العيون وزخارفه المتباينة الألوان، وجماله المُحيِّر، فيجب النظر إليه من هذه الزاوية.

وعلى ذات الشاكلة يجب أن يكون النظر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ يجب ألا نعلَق بقشر البيضة، فإن يجرِ تناول رسول الله باعتبار الأب والأم فحسب، والمنزل الذي نشأ فيه والبيئة التي كبِر فيها، ويُنظر إليه على أنه يتيم أبي طالب يستحلْ إدراك قدره وقيمته الحقيقية عليه الصلاة والسلام، إنه إنسان فريدٌ خلقَه الله تعالى في ماهية مخصوصة.. وإن صح التعبيرُ؛ فمن خلاله تنظر الذات الإلهية إلى الوجود، والعظماءُ الذين أدركوا قيمتَه هذه لم يُهملوا في دعائهم أن يطلبوا معيةَ الحبيب الأكرم إلى جانب معيةِ الله، ولقاءَ الحبيب الأكرم إلى جانب لقاءِ الله تعالى، وعليه يجب السعي إلى الإحساس به ومعرفته بكل جوانبه هذه عليه الصلاة والسلام.

وكما قال البوصيري أيضًا فإنه صلى الله عليه وسلم، بالرغم من كونه بشرًا، إلا أنه ليس بشرًا عاديًّا، إنَّ له يدين ورجلين وعينين وأذنين مثلنا تمامًا ويأكل ويشرب ويبيع ويشتري ويقضي غير ذلك من احتياجاته البشرية؛ إلا أنّ له -إلى جانب هذا- روحًا فريدة ولطائف ربانية وسرًّا وخفيًّا وأخفى، فإن لم يُنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل خصوصياته هذه فليس ممكنًا مشاهدة قيمته ومكانته الحقيقية ولا معرفتها.

محمد بشر وليس كالبشر ** بل هو ياقوتة والناس كالحجر

لا جرمَ أن إدراك مثل هذه النظرة قد لا يتيسر للجميع، علاوة على أن معرفة وفهمًا هكذا ليس ضروريًّا من أجل النجاة الأخروية، فباعتبار النتيجة يَعرفُ كلُّ مؤمن رسولَ الله بحسب معرفته واعتقاده وأفقه، فإن كان شخص يقول “محمد رسول الله” ويخلص لهذا العهد والشهادة فإنه يُرجى له أن ينجو بعناية الله وإحسانه ورحمته، ولكن هذه قضية مختلفة، الأمر الذي نقف عليه هنا هو معرفة سيدنا رسول الله بعمقه الذاتي، وجوانب حقيقته الأحمدية وحقيقته المحمدية.

   مهاجر أفق الإنسانية

إن الكلام عن سيدنا صلى الله عليه وسلم يمثل عشر معشار ما يجب أن يُقال بشأنه، إنه سلطان الدنيا والعقبى، إنه أول موجود -التعيين الأول- ظهر كنواة في العلم الإلهي، وكما يمكن النظر إليه من هذا الجانب على أنه نواة شجرة الكون من حيث الحقيقة الأحمدية؛ فإنه يمكن النظر إليه على أنه ثمرة تلك الشجرة من حيث الحقيقة المحمدية، ذلك أنه مثلما كان أول مخلوق ظهورًا بين المخلوقات من ناحية ماهيته ووضعه؛ فإنه من الجانب الآخر، وبالنظر إلى الرسالة التي جاء بها، قد وجَّه الإنسانية جمعاء إلى الله تعالى.

إذا اعتُبر الكون كتابًا فإن النور المحمدي هو مداد قلم كاتب ذلك الكتاب، فقد زين الله جل جلاله خطوط هذا الكتاب بمداد سيدنا أحمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن القول كانت هناك أشياء خاصة به في جميع أسطر الكون، وإذا ما اعتُبر الكون معرضًا فإن النور المحمدي هو أمينُه ومرشده على حد سواء، ومن هذه الزاوية فإنه لا بد عند النظر إلى رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أن توضع في الاعتبار الحقيقة الأحمدية إلى جانب الحقيقة المحمدية، وتجري مطالعتهما سويًّا، عندئذ نستطيع أن نفهم كيف أن باب الكون انفتح بسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي هو مفتاح سري وسحري، وأن الله خلق الوجود تقديرًا لحرمة ماء وجهه.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى شمائله هذه هو مهاجر أفق الإنسانية، فبينما يأتي من عالم الأرواح أو من عالم التعيين الأول هاجر هجرة مهمة؛ إذ إن خروجه من الوضع الذي هو فيه وهجرته مثل هذه الهجرة أثقل من الهجرة التي قام بها من مكة إلى المدينة، فهجرة مفخرة الإنسانية إلى أفق الإنسانية يعني ولادتها من جديد؛ لأن العلاقة التي ستؤسسها بخالقها تساوي وجود وعدم إنسان لا يعرف الغاية من الخلق، والمقصد من البعث إلى الدنيا، وإلى أين ارتحل، إنَّ معلّمَ كل هؤلاء الأمور للإنسانية وموجدَ حلول مثل هذه النوعية من المشكلات الإنسانية هو محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالواقع أن ما جاء به من قوة الطرد المركزي وصل تأثيره حتى يومنا هذا، ومع ذلك فهذه أمور خاصة بالعلم الإلهي وخطة القدر وعالم الغيب بمعنى ما، أما وجودها خارج العلم الإلهي وتشكل مجموعة من الكيانات في العالم الخارجي فيختلف عن هذا.

   الإنسان الكامل حقًّا

لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه أخروي حتى في الدنيا، لقد عاش حياته كلها لربه حامدًا، وبليله قائمًا ذاكرًا، لدرجة أنه يَذكر في إحدى المرات أنه يتحصل من عبوديته لله تعالى على المتعة واللذة التي يحصل عليها الأشخاص العاديون من الأكل والشرب والتنزه أو من غير ذلك من المتع الجسمانية، لقد كان يشعر من تعبده لربه وعبوديته له بعشق وشوق عظيمين، ولا ريب في أن هذا أيضًا يكشف عمقه في المعرفة، أما بعض المعاملات والتصرفات التي قام بها فيما يتعلق بالدنيا فقد كانت إحدى لوازم رسالته وتمثيله للدين الحق الذي جاء به، كان يهدف إلى تعليم أمته كيفية التصرف في مثل هذه الأمور، وإلا فلم يكن له كبيرُ تعلُّقٍ بالدنيا.

وعلى حد قول الجيلي فإن الإنسان الكامل حقًّا هو مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم وكونه الإنسان الكامل هو أحد نتائج عبوديته الحقة لله، ناهيك عن رسالته.. لقد حقق ذروة الكمال الإنساني في ظل عبوديته لله، وبالشكل نفسه فإن المعراج مكافأة له على عبوديته، لقد عرج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدًا لله؛ ورفرف وسار بولايته، واكتسب بعبوديته شفافية لا حد لها حتى إنه -وعلى حد تعبير الأستاذ- ارتقى إلى المعراج بجسده الكوكبي النوراني، لم يستطع أن يمنعه قانون الجاذبية الأرضية، ولا قوة الاحتكاك، ولا قيد الزمان والمكان، لقد ساح في ظل ولايته إلى عوالم ما وراء الطبيعة، ودخل هناك في بُعد طُويت فيه تحت قدميه مسافات تُقطع في آلاف السنين، رأى ما لم يُر، وسمع ما لم يُسمع، وحل بإذن الله تعالى ما استعصى من المشاكل على الحل، وتيسر له -وهو لا يزال حيًّا- لقاء الله ورؤيته تعالى.

ثم عاد بالرسالة من رحلة المعراج، وجاء أمته برسائل وبشارات، وعاد إلى موطن المحنة والبلاء هذا ثانية كي يأخذ بيد البشر ويبلغهم ما سمع، ويقدم لهم ما رأى، ويوصلهم إلى نفس المائدة الربانية، وأتم رحلة عروجه بالنزول منها، وبعد أن وصل إلى أفق “قاب قوسين أو أدنى” عاد مجددًا إلى ديار أمثال أبي لهب وعتبة وشيبة وعقبة بن أبي معيط، ترك نعيمَ الجنة وعاد إلى الحياة والدنيا المريرة، وهذا تعبير عن الحب والمودة العميقة التي يشعر بها تجاه أمته.

لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَما غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ ادْعُنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ”[3]، ومثلما فعل سيدنا آدم عليه السلام فإننا نحن أيضًا نتخذ النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام شفيعًا في أدعيتنا، وعلى الرغم من أن البعض قد يعترض، فإن روحانيته بالنسبة لنا تشبه الصوبة الزراعية بالنسبة للزروع، فنحن نشعر بالأمان ونحن في مناخه وبيئته.

وكما لُذْنا هنا بصوبته وكنفه نأمل أن نجتمع تحت لواء حمده في الآخرة بمشيئة الله تعالى، إنه صاحب لواء الحمد، ومن يلوذون بلوائه ينجون بلطف الله تعالى وكرمه دون أن يتعرضوا لأي سؤال صعب.

وحاصل الكلام أن واجبنا الأهم هو أن نبلغ الإنسانية جمعاء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكل خصوصياته وأعماقه هذه، ونحببها فيه، ذلك أن التحبيب فيه يعني تحبيبًا في الله تعالى في الوقت نفسه، فمن يتوجه إليه عليه الصلاة والسلام حتمًا سيتوجه إلى الله، فالطرق المؤدية إلى الله تمر من خلاله عليه الصلاة والسلام، ولما كان وصفه بكلمة “جسر” عليه الصلاة والسلام سوء أدب يمكننا أن نقول إنه “نقطة العبور” أو “الوسيلة”، من يصل إليه ويبلغ محيطه النوراني سيصل بالتالي إلى الله تعالى، ومن لم يصل إليه، ويلتقِ به ويستنشق هواءه المُنعش يصعبْ عليه الوصول إلى الله تعالى.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص 105.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النورية، ص 182.

[3] الحاكم، المستدرك على الصحيحين، 2/672.

Tags: , ,