الجَرَّة المشروخة: العداء لأولياء الله

Herkul | . | العربية

سؤال: يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ…”[1]، فما معنى إيذان الله بالحرب، وما كيفية القرب من الله تعالى، وكيف نفهم العلاقة بين الإيذان بالحرب والقرب من الله عز وجل.

الجواب: لقد ورد في القرآن الكريم آيات مختلفة على غرار هذا الحديث تتكلم عن أولياء الله تعالى، فمثلًا في سورة يونس يبشِّر ربنا سبحانه وتعالى أولياء الله بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/62)، وفي الآية التي تليها يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/63)، وفيها إشارة إلى وصفين مهمّين في أولياء الله وهما الإيمان الكامل والتقوى، أما في الآية الثالثة فيقول سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/64)، وفيها يلفت المولى تبارك وتعالى الأنظار إلى الثواب العظيم الذي ينتظر هؤلاء الأولياء الذين يتسمون بهاتين الخصلتين.

وفي سورة الأعراف يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/196)، أي يتولى أمرهم، ويقوم بإدارتهم وتوجيههم، ويهديهم إلى الطريق الصحيح بما خصّهم من إلهامات وواردات ومواهب، وأما في سورة البقرة فإن ربنا سبحانه وتعالى يذكر أنه ولي جميع المؤمنين بالمعنى العام، وهو الذي يتكفل بهدايتهم، فيقول: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/257).

الولاية العامة والولاية الخاصة

وعند النظر إلى الآيات الكريمة السابقة يتبين لنا أن الولاية في القرآن الكريم مطلقة عامة ميسّرة للجميع، ولذا يمكن القول إن كل من آمن بالله وعمل صالحًا وليٌّ لله، ويدخل ضمن دائرة الولاية.. بناءً على ذلك يعين الله عباده الأولياء السائرين في طريقه، ويهديهم إلى الطريق القويم.
 ولمزيد من الإيضاح نقول: مَنْ جعل مرادَ الله نصب عينيه في طريقه الذي سلكه، وابتغى رضا ربه، وبذل جهده وسعيه لإعلاء كلمة الله التي هي وسيلةٌ عظمى للفوز بمرضاته سبحانه وتعالى؛ جعله الله من أوليائه، ولا يَكِله إلى نفسه طرفة عين في الدنيا ولا في الآخرة كما جاء ذلك في الآيات الكريمة.

وتُسمّى هذه الولاية التي عبر عنها القرآن الكريم “ولاية عامة” لأنها متاحة للجميع، ولكن إلى جانب هذا النوع من الولاية ثمة ولايةٌ بالمعنى الاصطلاحي، ولقد فسّر السادة الصوفية كلمة “ولي” بمعنًى أكثر خصوصية، وقالوا بأن هناك طرقًا مختلفة لا بدّ للشخص من اجتياز إحداها كي يحرز الولاية بمعناها الاصطلاحي؛ أي يجب على العبد أن يسلك واحدة منها، ويعمل بما تقتضيه آداب وأركان الطريقة التي ينتسب إليها، ويكمل سيره وفقًا لذلك. وأيًّا كانت الطريق التي يسلكها الشخص أو النهج الذي يتبعه فالمهم أن يصل في النهاية إلى الله سبحانه وتعالى بترك الحظوظ الجسمانية، والسير في مدارج حياة القلب والروح، وهذا ما يُطلق عليه “الولاية الخاصة”؛ لأنها غير متاحة للجميع، وتتطلب مكافحة النفس ومجاهدتها بشكلٍ جدّي للغاية.

وقناعتي أن الولاية الواردة في الحديث والآيات السابقة هي الولاية العامة، حيث إنها ميسرة للجميع؛ وعندئذٍ إذا حافظ الذين آمنوا وعملوا الصالحات على استقامتهم فازوا ببشارات الله لهم الواردة في الحديث والآيات السابقة، ونالوا أنواع الثواب التي نصّ عليها القرآن الكريم.

أعداء أولياء الله والجزاء الإلهي

ولقد لاحظنا في هذا الحديث القدسي الذي يستهله ربنا سبحانه وتعالى بقوله: “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا” أن الله تعالى قد أضاف هؤلاء الأولياء إلى ذاته مباشرة، وعلى ذلك يمكن أن نفهم هذا البيان الإلهي على النحو التالي: “من عادى لي أحدًا تحت ولايتي ووصايتي…”؛ إذ لا تقتصر العداوة الموجَّهة لـهؤلاء الأولياء على أشخاصهم، بل ترجع هذه العداوة لأولياء الله إلى ارتباطهم بالله تعالى، والهجوم عليهم يعني انتهاك حقوق الله؛ أي إن ما يكمن وراء هذه العداوة هو عداوة الله، وعداوة الدين، وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وعداوة القرآن الكريم.

ولهذا السبب صرح الله تعالى بأنه سيعلن الحرب على كل من يضمر العداوة في الحقيقة للدين، وإن كان يتراءى في الظاهر بأنه عدو لأولياء الله جل وعلا، وكأن المقصود بقول الله تعالى: “آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ“، أي: “سأنهي أمره وأستأصلُ شأفته إن لم يكن اليوم فغدًا”.. كما أن إعلان الله تعالى الحرب بنفسه على كل من عادى أولياءه يشير إلى أن أولياء الله تعالى في ذمته جلّ جلاله؛ أي تحت عنايته ورعايته وكلاءته سبحانه، ولهذا لو حاول أحد أن يمس هؤلاء الأولياء بسوءٍ بسبب ارتباطهم بربهم فسيجد العزيزَ القهارَ له بالمرصاد.

لكن من الخطإ أن نفسِّر عقاب الله وفقًا لأهوائنا ورغباتنا، فالعقاب هنا يقع وفقًا لمراد الله، ولذا فمن المتعذر معرفة موعد أو كيفية هذا العقاب، فمثلًا في الحديث الشريف يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ“، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/102)[2].

وفي هذا الصدد يمكن أن تستحضروا في أذهانكم عاقبةَ الأمم السابقة التي ورد نبؤُها في القرآن الكريم، فما زال الهلاك والعذاب الشديد الذي حلّ بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم موسى وقوم شعيب وقوم لوط ماثلًا أمام أعيننا كلوحاتٍ تطفح بالعبرة والعظة.

ولا جرم أن هناك حِكَمًا من وراء إمهال الله للظالمين وعدم هلاكهم على الفور؛ ومن ذلك أن الله تعالى بإمهاله لهم يعطيهم الفرصة للتخلي عن ظلمهم، وبذلك لا تبقى لهم معذرة يحتجون بها؛ أي لا يبقى لهم حقّ الاعتراض في الآخرة بعد أن منحهم ربنا سبحانه وتعالى الإمكانيات والفرص حتى يتوبوا ويطرقوا بابَ رحمته من جديد.

وهكذا لا بدّ من استيعاب هذا الملمح اللطيف الذي يكمن وراء إمهال الله للظالمين، وألا نتخذ موقفًا ضدّهم على الفور بسبب هفواتهم وظلمهم، وأن نفوّض أمرهم إلى الله تعالى. أجل، قد يجرحكم البعض بأقواله، ويتعامل معكم بخشونة فيعكّر صفوكم، وقد يلجأ إلى الغيبة والافتراء أو يحاول أن يعيق طريقكم، فإن أردتم معاقبة هذا الشخص على الفور فلن يبقَى حينذاك إنسانٌ على وجه البسيطة.

وفي هذا الشأن ينبّه القرآن الكريم المؤمنين قائلًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/128)، والواقع أن في هذه الآية درسًا للأمة المحمدية عبر توجيه الخطاب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة إنسانٌ حَذِر ونبِهٌ للغاية في هذا الصدد.

لذا إن كان البعض يُعادونكم لأنكم تعيشون كما يأمركم دينكم، وتمثلونه تمثيلًا صحيحًا فلا ينبغي لكم أن ترفعوا أيديكم في الحال وتدعوا عليهم.. فعدم “التأمين” على الدعاء على الغير أساسٌ في فلسفتنا وفهمنا؛ فنحن ندعو الله تعالى أن يُصلح مثل هؤلاء الناس ويهديهم، ونفوّض أمرهم إلى الله تعالى إن تعذّر صلاحهم، فإن كانوا لا يتورعون عن ممارسة الظلم، بل ويؤدون بظلمهم وجفائهم هذا إلى أن يترك المسلمون بلادهم وألا تقوم لهم قائمة مرة أخرى؛ حينها يمكننا أن ندعو عليهم، لا على شخصهم بالذات، وإنما على ما يحملون من ظلم وفساد وفِتن، ندعو لنردَّهم ونردعَهم.

والحقيقة أن قول هذا بالنسبة لأهل التوكل والتفويض والثقة ربما لا يكون صحيحًا من حيث العلاقة مع الله، بيد أنه يجب ألا يُنسى أن لكل شخص قوة وطاقة معينة على التحمل والصبر، كما أن مراعاة الإنسان للمشاعر العامة لرفقاء دربه، فضلًا عما يحمله من آفاق ومشاعر قد يسوقه إلى طلب مثل هذه الأشياء من الله تعالى، فقد يتعرض مثل هؤلاء الأشخاص لأزمات خطيرة، وتبلغ القلوب الحناجر، ومع ذلك لا يستطيعون الدعاء على غيرهم أو لعنهم، فيقوم بعض المطلعين على أمرهم بالتوجه إلى الله تعالى داعيًا لهم ومترجمًا لأحاسيسهم.

أما بالنسبة لإعلان الله عز وجل الحرب، ومعاقبته الظالمين فقد يتحقق في أشكال وصور مختلفة، لأن الأسلوب الإلهي في التأديب يختلف ويتعدّد كما تبيّن في القرآن الكريم بشأن إهلاك أقوام شتّى، والقول بضرورة وقوع عقوبة معينة دون سواها على جريمة ما -كما في قوانين العقوبات- والذهاب إلى مثل هذه التفسيرات المحدّدة ليس صحيحًا؛ فالعقل البشري قاصرٌ عن إدراك مثل هذه الإجراءات الإلهية، ولذلك ينبغي لنا أن ندرك جيدًا بأن الأمور تجري وفقًا لحكمة الله وإرادته.

وعليه فقد تأتي هذه العقوبة في صورة صفعات الرحمة أحيانًا؛ لأن هذا النوع من الصفعات يكفي بعض الناس كي يتعظوا، إلا أن هناك بعضًا آخر يحتاج إلى صفعات أكثر قهرًا وقوة حتى يستفيق ويتعقّل، ولذلك فإن هذه العقوبات تكون خفيفة أحيانًا، وثقيلة أخرى، وأحيانًا ما يكسر الله أيدي الظالمين وأرجلهم عبر سلبهم كل ما لديهم من إمكانيات.. وأحيانًا أخرى يستأصل الله تعالى شأفتهم تمامًا، ويأتي بأناس جُدُد يُقيمُهم على أمر المجتمع ويوليهم عليه كما تشير الآية الكريمة ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/19)، فالله تعالى يحكم في هذا الأمر كيف يشاء.

 عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ!

الواقع أن جميع المسائل المذكورة لا تعنينا بشكل مباشر، ونيلُ الظالمين عقابهم إنما هو أمرٌ بيد الله، أما ما يقع على عاتقنا نحن فهو البحث عن الطريق التي تمكننا من اللحاق بِرَكْبِ أولياء الله، وأن ندخل في ذمته وكنفه سبحانه وتعالى، وأن نتحرى مدى استقامة الطريق الذي سلكناه؛ تُرى هل نحن أهلٌ لأن نحظى بالبشارات والمكافآت المذكورة في الآيات بالنظر إلى الأوصاف التي نحملها بالفعل؟ وهل إيمانُنا قوي كما ينبغي؟ وهل نعيش ضمن دائرة التقوى؟ وما مدى حساسيتنا بشأن تنفيذ أوامر الدين؟ هل نستطيع قراءةَ الأوامر التكوينية قراءة جيّدة وتطبيقَها في حياتنا بشكل منظّم؟ هل نستطيع من خلال مراجعتنا لتصرفاتنا وسلوكياتنا معرفة الأسباب الحقيقية للمصائب التي نتعرض لها؟

وإن تضرُّعَ سيدنا يعقوب عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/86) عبرة وعظة لنا، كما أن تضرع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى بقوله “اَللّٰهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟! إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي! أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي! إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ العُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ[3]، أثناء عودته من الطائف تعبيرًا عن الأزمات التي عاشها هنالك؛ يكشف لنا عن أهمية التوجه إلى أنفسنا أولًا.

فقد آذى المشركون في الطائف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم أولًا، ثم رموه بالحجارة؛ حتى دَمَتْ قدماه الشريفتان، غير أنه عليه الصلاة والسلام توجه إلى الله يعرض عليه حاله -وهو به عليم- دون أن يأبهَ بما فعلوا به.

 إنّ هذه الصيغة الدعوية التي أطلقها صلوات الله وسلامه عليه فيها من الدروس والمواعظِ ما فيها؛ فلم يكن النبي يومًا حقيرًا ولا ضعيفًا ولا مستضعفًا ولا مهانًا ولا عاجزًا.. حاشا وكلا، ومن يطلق هذه الصفات بحقِّ نبيِّنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يُخاف عليه من الكفر.. ولكنّه بفعله ذلك علَّمَنا وجسَّدَ لنا كيفية التوجّه إلى النفس وتحميلها المسؤولية أوّلًا، ومن ثم يجب تقييم تضرُّعِه ذلك من حيث خصوصية علاقته بالله؛ فيمكن للعبدِ أن يجأر بآلامه بين يدي ربه من حيث أفقه نفسه، ولكن من الخطإ أن ننظر نحن إليه عليه الصلاة والسلام هكذا.

إنه يعرض حاله على الله تعالى في أفق تفويض الأمر إليه والثقة به قائلًا “إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي“، وفي الوقت نفسه يعطينا درسًا مهمًّا في هذا الشأن.

ولهذا السبب فإن أول ما يجب علينا القيام به إذا ما أصابتنا ضربة من أي اتجاه، وبدأت تتحرك التصدعات التي تحت أقدامنا، واعترض طريقَنا البعضُ، وخُرّبَت الطرق التي نسير فيها أو هُدّمت الجسور -واجبنا- هو أن ننظر إلى أنفسنا ونفحص مرة أخرى أين نحن من تلك الشؤون جميعها! وينبغي لنا التفكير بعمق في حساباتنا وشؤوننا أنفسنا بدلًا من الانشغال بحسابات الآخرين، وعلينا أن ننظر هل نمتلك المقومات اللازمة لننالَ ولاية الله لنا أو لا نمتلك؟! فإن كان لدينا بعض القصور والثغرات وجب علينا الانشغال بها أولًا، وعلينا إزاء مثل هذه الأزمات التي نتعرض لها أن نضع جباهنا على الأرض ساجدين لله متضرعين إليه؛ فكل هذا تعبير عن صدقنا ووفائنا لله، والاعتماد عليه والثقة به.. وإذا نظرتم إلى أدعية الأولياء الواردة في كتاب “القلوب الضارعة”[4] وجدتم أنهم جميعًا اتبعوا الطريق نفسه دائمًا، وحاسبوا أنفسهم باستمرار.

والواقع أن العبارات التالية من الحديث ترشد المؤمنين إلى سبل التقرب من الله، وإحراز ولايته، واتقاء شرور الأعداء؛ إذ يقول سبحانه وتعالى: “مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَإِنْ سَأَلَنِي عَبْدِي أَعْطَيْتُهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي أَعَذْتُهُ“.

فإن كان المؤمنون يؤدّون ما يقع على عاتقهم في هذه القضايا، ويعبدون الله على الوجه اللائق، ويقومون بمقتضيات تحقيق ولايته لهم فسوف يقتص الله تعالى لهم، إن عاجلًا أو آجلًا، ممن يؤذيهم ويظلمهم، والتاريخ مليءٌ بأمثلةٍ على ذلك، بل إن المؤمنين الكاملين إذا دقّقوا في الحوادث التي تعرضوا لها في حياتهم أنفسهم رأوا عيانًا بيانًا أنَّ أحدًا لم يُترك حرًّا طليقًا دون حساب، وكيف عُوقب بعض من أساؤوا إليهم ولو بعد حين.

 

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 38.

[2] صحيح البخاري، تفسير السورة، (11)5؛ صحيح مسلم، البر، 61.

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 1/211-212؛ ابن هشام، السيرة النبوية، 2/266-269.

[4] كتاب “القلوب الضارعة” لمحمد فتح الله كولن، جمع فيه المؤلف الأدعية المأثورة وأدعية الخلفاء الراشدين وأدعية وأوراد العلماء البارزين في التاريخ الإسلامي على مختلف مشاربهم. (المترجم)